تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
كانت مصروفة إلى شيء معين كان ذلك أولى بالانكشاف ، ولما كانت هذه الأمور لا تتراءى إلا في المرائي الصقيلة ، وكانت المرائي كلها صدئة فاحتجبت عنها الهداية لا لبخل من جهة المنعم بالهداية بل لخبث تراكم الصدا على مصب الهداية تسارعت الألسنة إلى إنكار مثل ذلك ، إذ الطبع مجبول على إنكار غير الحاضر ، ولو كان للجنين عقل لأنكر إمكان وجود الإنسان في متسع الهواء ، ولو كان للطفل تمييز مّا ربما أنكر ما يزعم العقلاء إدراكه من ملكوت السماوات والأرض ، وهكذا الإنسان في كل طور يكاد ينكر ما بعده . ومن أنكر طور الولاية لزمه أن ينكر طور النبوّة ، وقد خلق الخلق
شرح
خفية ) المدرك ( لا تحصى ) لكثرتها أو لخفائها ( وأشدها مناسبة الهمة ) وهي توجه القلب بجميع قواه الروحانية إلى جنات الحق ، ( فإنها إذا كانت مصروفة إلى شيء معين كان ذلك أولى بالانكشاف ) فإن كانت باعثة على طلب الباقي وترك الفاني فهي همة الإفاقة وهي أوّل درجاتها ، وإن كانت تورث صاحبها الأنفة من طلب الأجر على العمل حتى يأنف قلبه أن يشتغل بتوقع ما وعد من الثواب ، فلا يفرغ إلى مشاهدة الحق بل يعبد اللّه على الإحسان ، فلا يفرغ من التوجه إلى الحق طلبا للقرب منه إلى طلب ما سواه وهذه هي همة الأنفة وهي ثاني درجاتها ، وإن كانت لا تتعلق إلا بالحق ولا تلتفت إلى غيره ولا ترضى بالأحوال والمقامات ولا بالوقوف مع الأسماء والصفات ولا تقصد إلا عين الذات ، فهي همة أرباب الهمم العالية وهي الدرجة الثالثة وهي أعلاها . ( ولما كانت هذه الأمور لا تتراءى إلا في المرائي ) جمع مرآة بالكسر ( الصقيلة ) أي المصقولة من الصدأ ، ( وكانت المرائي كلها صدئة ) يقال : صدىء الحديد بالهمز من باب تعب إذا علاه الجرب ، وصدأت المرآة كذلك ، وكانت المرائي تتخذ من الحديد ( فاحتجبت عنها الهداية ) فلا تكاد ترى فيها ( لا لبخل من جهة المنعم ) المطلق ( بالهداية ) جل وعز تعالى عما لا يليق بذاته ، ( بل لخبث تراكم ) أي تراكب بعضه فوق بعض كتراكم الغيث على مصب الهداية ، وجواب لما هو قوله : ( تسارعت الألسنة ) واستطالت ( إلى إنكار مثل ذلك إذ الطبع ) البشري ( مجبول على إنكار غير الحاضر ) كما يشير إليه قوله تعالى :وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ[ الأحقاف : 11 ] وقوله تعالى :بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ[ يونس : 39 ] وفي المشهور على الألسنة : من جهل شيئا عاداه . ( ولو كان للجنين ) وهو وصف للولد ما دام في بطن أمه ، فإذا ولد فهو منفوس ( عقل ) يتميز به ( لأنكر إمكان وجود الإنسان في متسع الهواء ) لأنه لم يشاهده ، ( ولو كان للطفل ) الولد الصغير ، ويكون هذا الوصف حتى يميز ثم لا يقال له بعد ذلك طفل ، وقيل : إلى أن يحتلم . ونظر المصنف إلى القول الأول فقال : ( تميز ما ربما أنكر ما يزعم العقلاء إدراكه من ملكوت السماوات والأرض ) أي الغيب المختص بهما ، ( وهكذا الإنسان في كل طور ) من أطواره ( يكاد ينكر ما بعده ) لعدم مشاهدته ، ( ومن أنكر طور الولاية ) وهي عبارة