وإنما تكون مكاشفة كل مصل على قدر صفائه عن كدورات الدنيا ، ويختلف ذلك بالقوة والضعف والقلة والكثرة وبالجلاء والخفاء ، حتى ينكشف لبعضهم الشيء بعينه وينكشف لبعضهم الشيء بمثاله ، كما كشف لبعضهم الدنيا في صورة جيفة والشيطان في صورة كلب جاثم عليها يدعو إليها . ويختلف أيضا بما فيه المكاشفة فبعضهم ينكشف له من صفات اللّه تعالى وجلاله ولبعضهم من أفعاله ولبعضهم من دقائق علوم المعاملة . ويكون لتعين تلك المعاني في كل وقت أسباب خفية لا تحصى وأشدها مناسبة الهمة ، فإنها إذا
شرح
وقال صاحب العوارف : فمن الساجدين من يكاشف أنه يهوي إلى تخوم الأرضين متغيبا في أجزاء الملك لامتلاء قلبه من الحياء واستشعار روحه عظيم الكبرياء . كما ورد أن جبريل عليه السلام يتستر بخافقة من جناحه حياء من اللّه ، ومن الساجدين من يكاشف أنه يطوي بسجوده بساط الكون والمكان ، ويسرح قلبه في فضاء الكشف والعيان ، فتهوي دون هويه أطباق السماوات وتنمحي ، لقوّة شهوده تماثيل الكائنات ويسجد على طرف رداء العظمة ، وذلك أقصى ما ينتهي إليه طائر الفهم والهمة البشرية وتفي بالوصول إليه القوّة الإنسانية . ومن الساجدين من يتسع دعاؤه وينتشر ضياؤه ويحظى بالصفتين ويبسط الجناحين ، فيتواضع بقلبه اجلالا ويرفع بروحه إكراما وإفضالا ، فيجتمع له الانس والهيبة والحضور والغيبة والفرار والقرار والإسرار والإجهار ، فيكون في سجوده سابحا في بحر شهوده .
( وتكون مكاشفة كل مصلّ ) من الأنبياء والأولياء والصالحين من عباد اللّه ( على قدر صفائه من كدورات الدنيا ) واستقامته في مراتب العظمة واستشعار كنهها لكل منهم على قدر حظه من ذلك :وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ[ يوسف : 76 ] ، ( وتختلف ذلك بالقوة والضعف والقلة والكثرة وبالجلاء والخفاء ، حتى ينكشف لبعضهم الشيء بعينه ) كما هو ، ( وينكشف لبعضهم الشيء بمثاله ) يحكي العين : ( كما كشف لبعضهم الدنيا ) وهي معنى من المعاني المعقولة ( في صورة جيفة ) وهي الميتة من الدواب والمواشي إذا أنتنت سميت بذلك لتغير ما في جوفها ، ( والشيطان في صورة كلب جاثم ) أي بارك . وفي نسخة : حائم ( عليها ) أي تلك الجيفة ( يدعو الناس إليها ) ، وقد أكثر الشعراء في هذا التصوير ، وأحسن ما سمعت ما نسب إلى الإمام الشافعي رضي اللّه عنه في أبيات يقول في وصف الدنيا وطالبيها :وما هي إلا جيفة مستحيلة * عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها * وإن تجتذبها نازعتك كلابهاوما اشتهر على الألسنة : الدنيا جيفة وطلابها كلاب . معناه صحيح ، ولكن لم يثبت لفظه هكذا . ( وتختلف أيضا بما فيه المكاشفة فبعضهم ينكشف له من صفات اللّه تعالى وجلاله ) وعظمته وكبريائه ، ( ولبعضهم ) ينكشف ( من ) أسرار ( أفعاله ، ولبعضهم ) ينكشف ( من ) أسرار ( دقائق علوم المعاملة ، ويكون لتعيين تلك المعاني في كل وقت أسباب كثيرة