فمن دخل حصني أمن من عذابي » ، والمتحصن به من لا معبود له سوى اللّه سبحانه ، فأما من اتخذ إلهه هواه فهو في ميدان الشيطان لا في حصن اللّه عز وجل . واعلم أن مكائده أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة وتدبير فعل الخيرات ليمنعك عن فهم ما تقرأ . فاعلم أن كل ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك فهو وسواس فإن حركة اللسان غير مقصودة بل مقصود معانيها .
شرح
وأخرجه ابن الجزري كما تقدم وقال : هكذا هو في المسلسلات السعيدية يعني به محمد بن مسعود الكازروني المتقدم بذكره . قال : والعهدة فيه على البلاذري أي هو متكلم فيه . وقد أخرجه الحاكم النيسابوري في التاريخ عن البلاذري وقال : لم نكتبه إلا عنه . وأخرجه أيضا في الجزء المعروف بفوائد الفوائد كذلك من طريق البلاذري . وأخرجه أبو عثمان سعد بن محمد البحيري في كتابه في الأحاديث الألف التي يعز وجودها عن أبي محمد عبد اللّه بن أحمد الدومي عن البلاذري ، وقد ألفت في جمع أسانيد هذا الحديث رسالة سميتها : الإسعاف بالحديث المسلسل بالإشراف وألممت ببعض من خرجه . ورواه في التعليقة الجليلة على مسلسلات ابن عقيلة فمن أراد الزيادة فليراجع هناك ، واللّه أعلم .
( والمتحصن به ) أي بهذا الحصن الحصين ( من لا معبود له ) ظاهرا وباطنا ( سوى اللّه تعالى ) كما هو مقتضى كلمة التوحيد ، ( فأما من اتخذ إلهه ) أي معبوده ( هواه ) النفساني ( فهو في ميدان الشيطان ) يلاعب به كالكرة حيث شاء ( لا في حصن اللّه تعالى ) ، فإذا لم يكن في حصن اللّه لم ينفعه قوله : « أعوذ باللّه » . ( واعلم أن مكايدته ) وفي بعض النسخ من مكائده ( أن يشغلك في صلاتك بذكر الآخرة ) ويلهيك به ( وتدبير فعل الخيرات ) المتأخر فعلها وأنت تظن أنه من خطرات الخير ، وإنما أراد ذلك منك ( ليمنعك بذلك عن فهم ما تقرأ ) وتدبر ما تتلو ، ( فاعلم أن كل ما يشغلك عن فهم معاني قراءتك فهو وسواس ) منه وأمان يخيلها إليك ، ( فإن حركة اللسان غير مقصودة بالذات بل المقصود ) من القراءة ( معانيها ) .
اعلم أن الخواطر التي ترد على القلوب على المصلي في صلاته على أقسام : منها ما يخطر به من الخير فليسارع إلى فعله فذلك من أحب الأشياء إلى اللّه تعالى ، ومنها : ما يخطر به من المكروه الممقوت فليجتنبه فإنه هو الذي يبعده من قرب اللّه تعالى ، ومنها : ما يخطر به من خاطر تمن أو مما يهمه مما يأتي أو مضى ، فذلك وسوسة من العدو فليحذر منه ، ومنها : ما يخطر به من أمر المعاش وتصريف الأحوال وتدبير الأمور من المباحات ، فذلك من قبل النفس وفكرها بما توسوس به من أمورها ، وهذا كذلك ينبغي اجتنابه . ومنها : ما يخطر من همة مذمومة وفكرة محظورة في معصية مأزورة ، فهذا الهلاك والبعد يكون بوصف النفس الأمارة عن استحواذ العدو وهو علامة الحجاب والاعراض ، فإذا ابتلي المصلي بهذه المعاني في صلاته فقد اختبر بذلك ، فعليه