الشجرة . فكذلك شجرة الشهوات إذا تشعبت وتفرعت أغصانها انجذبت إليها الأفكار انجذاب العصافير إلى الأشجار وانجذاب الذباب إلى الأقذار والشغل يطول في دفعها ، فإن الذباب كلما ذب آب ولأجله سمي ذبابا . فكذا الخواطر ، وهذه الشهوات كثيرة وقلما يخلو العبد عنها ويجمعها أصل واحد وهو حب الدنيا ، وذلك رأس كل خطيئة وأساس كل نقصان ومنبع كل فساد . ومن انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى
شرح
الشجرة ) من أصلها تسترح ، ( فكذلك شجرة الشهوات ) وفي نسخة الشهوة ( إذا تشعبت ) أي صارت ذات شعب ( وتفرعت أغصانها ) وكثرت ( انجذبت إليها الأفكار ) الرديئة ( انجذاب ) تلك ( العصافير إلى ) أغصان ( الأشجار ، وكانجذاب الذباب إلى الأقذار ) الذباب بالضم معروف ، والأقذار جمع قذر بالتحريك هو النتن ، ( والشغل يطول في دفعها ) وطردها ، ( فإن ) من شأن ( الذباب كلما ذب ) أي طرد ( آب ) أي : رجع ( ولأجله سمي ذبابا ) هذا هو المشهود بين ألسنة الناس فيكون من باب المنحوت ، كما قال بعضهم في تسمية العصفور لأنه عصى وفر ، والصحيح عند أئمة اللغة خلاف ذلك وهو فعال من ذبه إذا نحاه ، وقد أشرت إلى ذلك في شرحي على القاموس فراجعه . ( فكذا الخواطر ) النفسية كلما دفعت رجعت ولا تندفع بالكلية إلا بقطع مادتها ، ( وهذه الشهوات كثيرة ) مختلفة الأنواع باختلاف المعاصي والقبائح ، ( وقلما يخلو العبد عنها ) في حالة من حالاته . وفي نسخة : وقلما يخلو أحد منها ( ويجمعها أصل واحد ) منه منشؤها ( وهو حب الدنيا ) والميل إليها ، والمراد بالدنيا أمورها المتعلقة بها المزينة للإنسان في عينه التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه العزيززُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِالآية [ 14 من سورة آل عمران ] والمراد بالحب هنا الاختياري بأن يختار لنفسه حب شيء من أمورها تعمدا وقصدا لا اضطرارا ، فإن الإنسان مجبول على حب ولده وزوجته وما ملكته يداه من الانعام والحرث ، ثم إن كان ما أعان العبد على الآخرة من أمور الدنيا فليس داخلا في حد الدنيا ، فإنها إنما جعلت قنطرة للآخرة يتبلغ بها العبد قدر حاجته في سفره إلى مولاه ، ( وذلك ) أي حبها ( رأس كل خطيئة وأساس كل نقصان ومنبع كل فساد ) .
وقد اشتهر على الألسنة : حب الدنيا رأس كل خطيئة . واختلف فيه هل هو من كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم أم لا ؟ ففي المقاصد للحافظ السخاوي أخرجه البيهقي في الحادي والسبعين من الشعب بإسناد حسن إلى الحسن البصري رفعه مرسلا . وأورده الديلمي في الفردوس ، وتبعه ولده بلا إسناد عن علي رفعه ، وهو عند البيهقي أيضا في الزهد ، وأبي نعيم في ترجمة الثوري من الحلية من قول عيسى ابن مريم عليه السلام ، وعند ابن أبي الدنيا في مكائد الشيطان له من قول مالك بن دينار ، وعند ابن يونس في ترجمة سعد بن مسعود التجيبي في تاريخ مصر له من قول سعد هذا .
وجزم ابن تيمية أنه من قول جندب البجلي رضي اللّه عنه ، وللديلمي من حديث أبي هريرة رفعه