شيء منها لا ليتزوّد منها ولا ليستعين بها على الآخرة فلا يطمعن في أن تصفو له لذة المناجاة في الصلاة . فإن من فرح بالدنيا لا يفرح باللّه سبحانه وبمناجاته . وهمة الرجل مع قرة عينه فإن كانت قرة عينه في الدنيا انصرف لا محالة إليها همه ، ولكن مع هذا ، فلا ينبغي أن يترك المجاهدة ، ورد القلب إلى الصلاة ، وتقليل الأسباب الشاغلة ، فهذا هو الدواء المر ولمرارته استبشعته الطباع وبقيت العلة مزمنة وصار الداء عضالا ، حتى أن الأكابر اجتهدوا أن يصلوا ركعتين لا يحدثوا أنفسهم فيهما بأمور الدنيا فعجزوا عن
شرح
« أعظم الآفات تصيب أمتي جمعهم الدنيا وحبهم الدنانير والدراهم لا خير في كثير فيمن جمعها إلا من سلطه اللّه على هلكتها في الحق » . اه .
قلت : وسيأتي للمصنف في موضعه من هذا الكتاب رفعه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأورد بعده كلاما وسنشرحه هناك إن شاء اللّه تعالى .
وكان الربيع بن خثيم يقول : أخرجوا حب الدنيا من قلوبكم يدخل حب الآخرة . وقال آخر :
ليس خيركم من ترك من هذه لهذه بل خيركم من أخذ من هذه لهذه .
( ومن انطوى باطنه على حب الدنيا حتى مال إلى شيء منها ) باختياره وطواعية نفسه ( لا للتزود منها ولا ليستعين به على الآخرة ) وفي بعض النسخ : لا ليستعين به على الآخرة ويتزود إليها ، ( فلا يطمعن في أن تصفو له لذة المناجاة في الصلاة ) مع ربه ، ( فإن من فرح بالدنيا ) بأن اطمأن به إليها والقى شراشيره عليها ( لا يفرح باللّه تعالى وبمناجاته ) فإنه من أمور الآخرة وهما ضرتان لا يجتمعان إن دخلت هذه خرجت الأخرى وبالعكس ، ( وهمة الرجل مع قرة عينه ) أي فيما تقربه عينه ( فإن كانت قرة عينه في الدنيا ) أي في حصول أمورها ( انصرف لا محالة إليها همه ) ، ولذلك أشار صلّى اللّه عليه وسلم بقوله : « وجعلت قرة عيني في الصلاة » إن هذا الوصف ليس من أمور الدنيا وذلك لأنه ميزها من قوله : « حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء » لأنه كان في مشاهدة ربه فجعل قرة عينه بها لأنها من أمور الآخرة ، وسيأتي لذلك تحقيق ، ( ولكن مع هذا فلا ينبغي أن يترك ) المصلي ( المجاهدة ) مع نفسه ، ( و ) لا يترك ( رد القلب إلى الصلاة ) على قدر جهده وطاقته ، ( و ) لا يترك ( تقليل الأسباب الشاغلة ) له عنها . ( وهذا هو الدواء المر ) الطعم البشع الرائحة الكريه اللذة ( ولمرارته ) وبشاعته ( استبشعته الطباع ) أي عدته بشعا . وفي نسخة : استبشعه أكثر الطباع ( وبقيت العلة ) المذكورة ( مزمنة ) أي دائمة زمانا طويلا ( وصار الداء عضالا ) بالضم أي شديدا أعيت الأطباء عن معالجته ( حتى أن الأكابر ) من العارفين باللّه تعالى ( اجتهدوا ) وفي نسخة :
اجتهد بعضهم ( أن يصلوا ) وفي نسخة أن يصلي ( ركعتين لا يحدثوا ) وفي نسخة : لا يحدث ( أنفسهم ) وفي نسخة : نفسه ( فيهما بأمور الدنيا ) وفي نسخة : بشيء من أمر الدنيا ( فعجزوا عن ذلك ) . وقد قال صاحب القوت ورفعه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من صلى ركعتين لم يحدث فيهما