الأسباب الخسيسة لا تسمى مهابة ، بل الخوف من السلطان المعظم يسمى مهابة ، والهيبة خوف مصدرها الإجلال .
وأما الرجاء ، فلا شك أنه زائد فكم من معظم ملكا من الملوك يهابه أو يخاف سطوته ، ولكن لا يرجو مثوبته . والعبد ينبغي أن يكون راجيا بصلاته ثواب اللّه عز وجل ، كما أنه خائف بتقصيره عقاب اللّه عز وجل .
وأما الحياء ؛ فهو زائد على الجملة لأن مستنده استشعار تقصير وتوهم ذنب ،
شرح
الخوف من السلطان المعظم ) الموصوف بنعت العظمة ( يسمى مهابة ) لما فيه من استشعار العظمة ، ( فالهيبة ) إذا ( خوف مصدره الإجلال ) أي هو أثر مشاهدة إجلال اللّه تعالى في القلب ، وقد يكون أثرا عن الجمال الذي هو جمال الإجلال فيلازمه الانس ، إلا أن الهيبة مقتضاها الغيبة ، والانس مقتضاه الصحو والإفاقة ، وأقرب الألفاظ مناسبة للمقام لفظ الخشية فإن أركانها ثلاثة : الخوف ، والتعظيم ، والمعرفة . وإنما اختار المصنف الهيبة عليها لأن الخشية مقام العلماء باللّه خاصة ، ولأن ما ذكر في الخشية موجود في الهيبة باعتبار أن التفهم قد تقدمها ، فصارت الهيبة واردة عليه . فلو ذكر الخشية كان فهم المعرفة فيها كالتكرار مع ما تقدم من التفهم ، وأيضا ففي الهيبة معنى زائد ليس في الخشية وهو كونه أثر مشاهدة الجلال وملازمة الانس له عند الكمال فتأمل واللّه أعلم .
( وأما الرجاء ) وهي الجملة الخامسة فاختلف فيه على أقوال : فقيل ؛ هو ترتيب الانتفاع بما تقدم له سبب ما . وقيل : هو تعلق القلب بحصول محبوب مستقبل وقيل : ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة ، وعلى كل حال ( فلا شك أنه ) أمر ( زائد ) على ما تقدم ( فكم من معظم ملكا من الملوك يهابه أو يخاف سطوته ، ولكن لا يرجو مثوبته ) .
فإن قلت : الأمل قد يطلق بمعنى الرجاء ومعناهما متقارب فلم اختار الرجاء دون الأمل ؟
قلت : لأن الرجاء معه خوف ، فلذلك جاء بمعنى خاف نحو قوله تعالى :ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً[ نوح : 13 ] ولا يقال أمل إذا خاف ففي الرجاء معنى زائد على الأمل .
وإلى الجمع بين المرتبتين الأمل والخوف أشار المصنف فقال : ( والعبد ينبغي أن يكون راجيا بصلاته ثواب اللّه عز وجل كما أنه خائف بتقصيره عقاب اللّه عز وجل ) ، والمعنيان موجودان في لفظ الرجاء وإن كان وراء ذلك مقام آخر لأهل الإخلاص واليقين هو أن يقصد بصلاته بل بعبادته كلها حوز ثواب أو دفع عقاب ، فقد قيل : من عبد اللّه بعوض فهو لئيم ، ولكن لكل مقال مقام كما أن لكل مقام مقالا .
( وأما الحياء ) : وهي الجملة السادسة ( فهو ) انقباض النفس من شيء حذرا من الملام وهو نوعان : نفساني وهو المخلوق في النفوس كلها كالحياء عن كشف العورة والجماع بين الناس ،