تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
شرح
إلى غير ذلك من الأسرار الناشئة من التركيب الجمعي فهذا نظر البيانيين ، وقد يعرض على قلبه حينئذ أن « إهدنا الصراط » موزون من بحر الرجز أو الكامل ، وقد دخله بعض العلل وهو نظر أهل العروض ، فكل هؤلاء من أهل الظاهر ينظرون إلى ظاهر الألفاظ إفرادا وتركيبا ، وكل ذلك ليس مرادا في التفهم المأمور وإن كان من أهل الباطن يذهب فهمه إلى شرف أم الكتاب وأنها السبع المثاني ، وأنها مكرمة هذه الأمة ، ومن خصوصياتها . وأن اللّه تعالى خاطب حبيبه صلّى اللّه عليه وسلم وأمره بالدعاء والتضرع ، وأن يعلم أمته بذلك وأن الهداية بتوفيق اللّه تعالى ومحض فضله وكرمه ، وأنه ما أمر بالدعاء إلا وقد تفضل عليهم بالإجابة ، وأن الصراط المستقيم هو الذي لا اعوجاج فيه ولا أمت . وصاحب هذا المقام يراعي حد الوسط في كل أمر من مطعم ومشرب وملبس وكل أمر ديني ودنيوي وهذا نظر أهل المرتبة الأولى من أهل الباطن . ومنهم من يتجاوز بعد فهم هذا إلى أن المراد بالصراط المستقيم هو التمسك بظاهر الشريعة والعض عليه بالنواجذ ، وأنه هو الموصوف بهذا الوصف ، وصاحب هذا المقام يقف في العبارات عند الإشارات وهو نظر أهل المرتبة الثانية من أهل الباطن . ومنهم من يعدو فهمه إلى معنى آخر في الصراط المستقيم فيقول : المراد به كلمة الإخلاص وأنه ما نجا من نجا إلا بالتمسك بها . فالمداومة عليها سبب النجاة وسبب خلوص القلب من الأوهام والشكوك ، وصاحب هذا المقام من المستهترين في ذكر اللّه تعالى لا يغفل عن مذكوره قط وهو نظر أهل المرتبة الثالثة من أهل الباطن . ومنهم من يفهم من الصراط المستقيم معنى آخر وراء ذلك ويقول : إن الصراط المستقيم هو محمد صلّى اللّه عليه وسلم وقد أمرنا بمتابعته واقتفاء سبله ، وأنه هو الموصوف بكمال الاستقامة وهو المخاطب بقوله تعالى :فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ[ هود : 112 ] ولا متابعة أشرف من متابعة الأحوال بعد المتابعة بالأقوال ، والمعنى أرشدنا إلى متابعة أحوال النبي الكريم صلّى اللّه عليه وسلم . وصاحب هذا المقام شديد الملازمة للأحوال الباطنة وأشرفها الوفاء بكل العهود يعبر عن هذا المقام بالفناء في الرسول وهو نظر أهل المرتبة الرابعة من الباطن . ومنهم : من يتجاوز فهمه بعد إحاطته بما سبق إلى أن المراد بالصراط المستقيم هو وحدة الوجود ويقول : لا بقاء للبشرية بعد ظهور سلطان الحقيقة ، ويقول : هذا هو الصراط المستقيم الذي سلكه المحققون من العارفين باللّه تعالى : وصاحب هذا المقام إن دامت معه هذه الملاحظة انمحقت أوصافه البشرية بالكلية وانصبغ بالصفات الملكية الروحية وهو مقام الصديقين نفعنا اللّه بهم أجمعين . فانظر ما ذكرت لك من التفصيل في جملة واحدة مما تقرؤه في صلاتك التي هي سلم الوصول ومعراج الحق وهكذا تفرضه في كل جملة من جمل القرآن لتكون من أهل العرفان واللّه أعلم .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 188 | مرتضى الزبيدي