تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
ويتصور التعظيم والخوف والرجاء من غير حياء حيث لا يكون توهم تقصير وارتكاب ذنب . وأما أسباب هذه المعاني الستة ، فاعلم أن حضور القلب سببه الهمة فإن قلبك تابع لهمتك فلا يحضر إلا فيما يهمك . ومهما أهمك أمر حضر القلب فيه شاء أم أبى فهو مجبول على ذلك ومسخر فيه . والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلا بل جائلا فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا ، فلا حيلة ولا علاج لاحضار القلب إلا بصرف
شرح
وإيماني وهو امتناعه من فعل المحرم خوفا من اللّه تعالى ، وهذا ( أمر زائد على الجملة ) ، ثم من يستحى منه ثلاثة : من البشر وهم أكثر من يستحى منه ومن نفسه ثم من اللّه عز وجل ، ومن استحى من الناس ولم يستح من نفسه فنفسه عنده أخس من غيره ، ومن استحى منهما ولم يستح من اللّه دل على قلة معرفته به ، ومن لم يعرف اللّه فكيف يستعظمه وكيف يعلم أنه مطلع عليه ؟ وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « استحيوا من اللّه حق الحياء » ففي ضمنه حث لمعرفته . وقال تعالى :أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى[ العلق : 14 ] تنبيها على أن العبد إذا علم أن اللّه يراه استحيا من ارتكاب الذنوب . وسئل الجنيد عما يتولد منه الحياء فقال : رؤية العبد إلى اللّه ، رؤية تقصيره في شكره . وإليه أشار المصنف بقوله : ( لأن مستنده استشعار تقصيره ) أي في أداء ما وجب من شكره ( وتوهم ذنب ) صدر منه رآه اللّه عليه ، ( و ) قد ( يتصور التعظيم والخوف والرجاء من غير حياء حيث لا يكون توهم تقصير وارتكاب ذنب ) فلا بد من حصوله للمصلي أن يكون مستشعرا بتصوره متذكرا لعيوبه ذاكرا اطلاع اللّه عز وجل عليه وباللّه التوفيق . ( وأما أسباب هذه المعاني الستة . فاعلم أن حضور القلب سببه ) الأعظم ( الهمة ) وهي القوة الراسخة في النفس الطالبة لمعالي الأمور ، ولها مرتبتان . الأولى : اعتناء القلب بالشيء المطلوب ، والثانية : توجهه وقصده بجميع قواه الروحانية إلى جناب الحق لحصول الكمال أو لغيره ، والمراد هنا بها مطلق الاعتناء ، ( فإن قلبك تابع لهمتك فلا يحضر ) معك ( إلا فيما يهمك ) أي فيما تصرف همتك إليه فهو تابع لها من غير انفكاك عنها . ( ومهما أهمك أمر ) خيرا كان أو شرا ( حضر القلب ) عنده ( شاء أم أبى فهو مجبول على ذلك ومسخر فيه ) ، ومن هنا مدحوا علو الهمة وكبرها وجعلوه من أمارات الإيمان ، والعالي الهمة على الإطلاق من لا يرضى بالهمم الحيوانية قدر وسعه فلا يصير عبد غاويه بطنه وفرجه ، بل يجتهد أن يتخصص بمكارم الشريعة فيصير من خلفاء اللّه تعالى وأوليائه ومجاوريه في الآخرة . ( والقلب إذا لم يحضر في الصلاة لم يكن متعطلا ) كما يذهب إليه الوهم ( بل جائلا ) أي متحركا مضطربا ( فيما الهمة مصروفة إليه من أمور الدنيا ) إما في دكانه أو عند زوجته أو بعض معاملاته أو بعض مشتهيات نفسه فيما تحمله خسة همته عليه ، ( فلا حيلة ولا علاج لإحضار القلب ) في الصلاة ( إلا بصرف الهمة إلى الصلاة ) حتى يتبعها القلب ، ( والهمة ) من شأنها تحري معالي الأمور