تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
شرح
والتبصر تقليب البصيرة لإدراك الشيء ، والبصيرة هي قوة القلب المدركة حقائق الأشياء ، والتدبر النظر في دبر الأمور أي عواقبها ، والتفكر تصرف القلب في معاني الأشياء بالنظر في الدليل ولا يقال إلا فيما يمكن أن تحصل له صورة ، والتذكر استرجاع ما فات بالنسيان بمحاولة القوة الفعلية ، والتعقل يطلق ويراد به التدبر في الأمور بكمال العقل ، والتأمل إعادة النظر في الشيء مرة بعد أخرى لتحقيقة ، والتعلم تنبيه النفس لإدراك المعاني ، والتنبه إدراك ما في ضمير المتكلم والمخاطب ، والتعهد حفظ الشيء وإصلاحه ، والتيقظ التنبه للأمور ، والتفقد هو طلب الشيء عند غيبته . فهذه الجمل لها مناسبة أكيدة بجملة التفهم . وقد استعمل أكثرها في الكتاب والسنة ، ولكن لما كان التفهم كالنتيجة لهذه الجمل المجموعة اختاره دون غيره ، واللّه أعلم . تنبيه آخر : الشيء قد يخفى تفهمه وتلك المعارف عن إدراكه فتضرب له الأمثال فيتضح حينئذ ، ولنضرب لك مثالا فيما أورده المصنف في هذه الجملة وكيف يتفاوت الناس فيها . فاعلم أن المصلي إذا وجه وجهة قلبه إلى مولاه وقرأ مثلا فيهااهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَفإن كان من أهل الظاهر فإما أن يذهب فهمه في أول وهلة إلى تصريف حروفها وتعليلها بأن يخطر بباله أن « إهدنا » صيغة أمر وأن أصلها كاضرب سقطت ياؤها للإضافة إلى ضمير المتكلم ، ثم يذهب فكره إلى حقيقة الضمير وأنه يشترك فيه المفرد والمثنى دون الجميع ، وأنه من باب ضرب هداه يهديه ، وأنه متعد ، وأن همزة الأمر مكسورة ، وأن المستقيم صيغة اسم فاعل من استقام ، وهل سينه أصلية أم زائدة ، وهل ألفها منقلبة عن واو أو ياء وما علة قلبها أيضا إلى أمثال ذلك ؟ فهذا نظر أهل التصريف الظاهر ، وإما أن يذهب فهمه إلى معنى الهداية هل هي إراءة الطريق أو الإرشاد وهل اشتقاقه من الهدوء أو من الهدي ، وأن الصراط اسم للطريق وهل هو مرادف له أو مغاير وأن الاستقامة هو الاعتدال مشتق من القيام أو القومة إلى غير ذلك من المعاني . وهذا نظر أهل العلم بجواهر الألفاظ المعبر عنه بعلم اللغة . وإما أن يذهب فهمه إلى تركيب حروفها ومخارجها فيخطر بباله مخرج الصاد والطاء والقاف ، وأنه يجوز أن يقول السراط بالسين والزراط بالزاي لقرب المخارج وما لها من الترقيق والتفخيم والإشمام والقلقلة والإمالة والتحفظ على مخرج الدال حتى لا يشبه بالتاء ، وعلى مخرج القاف حتى لا يخلطه بالقاف العجمية إلى غير ذلك وهذا نظر أهل القراءة . وإما أن يذهب فهمه إلى تركيب هذه الجملة من حيث المجموع فيقول : « إهدنا » فعل أمر مضاف إلى ضمير المتكلم وفيه ضمير مستتر تقديره أنت ، وان المخاطب فيه هو اللّه تعالى ، والصراط مفعول إهدنا وهو يتعين فيه النصب والمستقيم صفة فهي بمجموعها جملة إنشائية ، ولا يكاد يتجاوز فهمه إلى معنى الصراط ولا استقامته ، فهذا وأمثال ذلك هو نظر أهل الإعراب وهو من خواص هذه الأمة المحمدية . وإما أن يذهب فهمه إلى خواص الجملة الإنشائية وما لها من التجددات والفارق بينها وبين الإسمية وتفاوت مراتبهما مع السياق والسباق