في غيرهما ، ومهما انصرف الفكر عن غير ما هو فيه وكان في قلبه ذكر لما هو فيه ولم يكن فيه غفلة عن كل شيء ، فقد حصل حضور القلب .
ولكن التفهم لمعنى الكلام أمر وراء حضور القلب ، فربما يكون القلب حاضرا مع اللفظ ولا يكون حاضرا مع معنى اللفظ ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو الذي أردناه بالتفهم . وهذا مقام يتفاوت الناس فيه إذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرآن والتسبيحات . وكم من معان لطيفة يفهمها المصلي في أثناء الصلاة ولم يكن قد
شرح
انصرف الفكر عن غير ما هو فيه ) ولم يجل إلا فيما هو بصدده ( و ) مع ذلك ( كان في قلبه ذكر لما هو فيه ولم يكن فيه غفلة ) تنافي ذلك الذكر ولا ذهول ( عن كل شيء فقد حصل حضور القلب ) لا محالة . إذ لا يمنع الحضور إلا عدم التخلية وانفكاك العمل عن الفعل والقول وجولان الفكر في غير ما هو فيه ، فأركان الحضور ثلاثة ينعدم الحضور بانعدام كل واحد منها . وأعظمها التخلية .
فإن قلت : قرن العمل بالفعل والقول نتيجة التخلية كما يفهم من سياق المصنف ، فيكون العمل الخ والفاء للتعقيب وأنت قررته ركنا . فاعلم أن تخلية القلب عبارة عن أن لا يخطر فيه شيء ينافي القصد ، وقرن العمل بالفعل والقول أمر زائد عليه إذ قد يوجد التخلية ولا يوجد ذلك الأمر الزائد ، وقد ينشأ هذا الأمر الزائد من غير تخلية ، فهو وإن كان في الصورة كالنتيجة للتخلية ، ولكنه في الحقيقة ركن من أركان الحضور وهو راجع إلى القصد ، فلا بد من تحصيله .
ثم حفظ الفكر عن الجولان وقص أجنحته حتى لا يحوم إلا على ذلك القصد ، ثم لما كان قرن العمل بهما وحفظ الفكر من باب التخلية أخر عن تفريغ القلب لأن التخلية مقدمة على التحلية .
هذا ما يتعلق بأول الجمل .
( ولكن التفهم لمعنى الكلام ) الذي ينطق به وهي الجملة الثانية ( أمر وراء حضور القلب ) ولذلك عد مستقلا ، ( فربما يكون القلب حاضرا مع اللفظ ) الظاهر ( ولا يكون حاضرا مع معنى اللفظ ) الذي هو سره ولبه وخلاصته ، ( فاشتمال القلب ) بعد حضوره ( على العلم ) الكافل ( بمعنى اللفظ هو الذي أردنا بالتفهم ) ، وبيانه أن التفهم تفعل من الفهم والفهم هو تصور المعنى من اللفظ ، سواء كان من نفسه أو من المخاطب ولا يتم هذا التصور إلا بالتحقق لذلك المعنى ، ثم هو مطاوع للتفهيم يقال : فهمته فتفهم والمفهم أعم من أن يكن نسيبا أو غير نسيب ، فالنسيب يختلف باختلاف الأحوال والمراتب ، ومن هذا النوع قد يكون التفهيم من باب الإلقاء في القلب والنفث في الروع وهو أرفع المراتب . ولذا قال المصنف : ( وهذا مقام يتفاوت الناس فيه ) أي في أدناه وأقصاه ، فمنهم القانع بالقشر فقط والكامل الذي على الغنى سقط . ( إذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني ) اللائقة ( للقرآن ) الذي يقرؤه في صلاته ( و ) كذا معاني ( التسبيحات ) التي في الركوع والسجود ، والناس في ذلك على طبقات . فمنهم