تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
خطر بقلبه ذلك قبله ؟ ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر ، فإنها تفهم أمورا ، تلك الأمور تمنع عن الفحشاء لا محالة .
شرح
من يعبر عن الألفاظ إلى معانيها الظاهرة بسرعة إدراكه حتى تنتقش في ذهنه انتقاشا لا يزول . وإنما قلنا الظاهرة وعنينا بها ما ذكره المفسرون في كتبهم وهي الحاصلة بتحقيق الإعراب وتركيب مسائله ، ومنهم من يفهم تلك المعاني من وجه آخر باعتبار مقتضيات خواص الألفاظ على قواعد أهل المعاني والبيان ، ومنهم من يتجاوز عن ذلك بفهمه إلى ما تدل عليه تلك الألفاظ من تصريحات وتلويحات على طريقة أهل الأصول ، ومنهم من يتجاوز عن ذلك فيدرك بمجرد نطقه لتلك الألفاظ إشارات خفية ورموزا بهية تنكشف له حجبها من غير إدارة فكر ولا جولان خاطر على مشارب أهل العرفان وهذه المرتبة الأخيرة هي التي أشار لها المصنف بقوله : ( وكم من معان لطيفة ومعارف شريفة يفهمها المصلي في أثناء الصلاة ) تنكشف له انكشافا ( ولم يكن حضر بقلبه ذلك قبله ) فيحصل له بذلك العروج إلى معارج الأسرار والولوج إلى خزائن الدار ، وبه صح ما ورد : الصلاة معراج المؤمنين . ( ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر ) ، فالفحشاء كل حالة سيئة من قول أو فعل ، والمنكر ما أنكره الشارع ولم يرتضه ، والمؤمنون وهو يشير إلى قوله تعالى :إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ[ العنكبوت : 45 ] ( فإنها ) أي الصلاة تفهم ( أمورا ، تلك الأمور تمنع عن الفحشاء ) والمنكر ( لا محالة ) ، وهكذا فسروا الآية المذكورة ولا يخفى أن الفحشاء والمنكر داخلان تحت المعاصي والشهوات ، ولكن لما كان كل واحد منهما رأسا فيها ذكر بالخصوص ، وعلى هذا الفهم جاء كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من اللّه إلا بعدا » كما تقدم . وقوله تعالى :وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ[ البقرة : 45 ] أي استعينوا على مجاهدة النفس وصلاح القلب وعلى ترك المعاصي والشهوات ، وأراد بتلك الأمور التي تمنع عن المعاصي والشهوات التي منها الفحشاء والمنكر مقامات تتعلق بكل كلمة من الخطاب يحصلها المصلي في أثناء شهوده لسر كلام المخاطب ومناجاته له به ، ومن مقامات اليقين : الإيمان بها ، والتسليم لها ، والإنابة إليها ، والصبر عليها ، والرضا بها ، والخوف منها ، والرجاء لها ، والشكر عليها ، والمحبة لها ، والتوكل فيها ، فإذا تمكن المصلي من الانصباغ بتلك المقامات اقتدر على فهم تلك المعاني اللطيفة . إذ كل كلمة من كلمات القرآن منطوية على أسرار عرفانية يشهدها أهل المناجاة ويعلمها أهل العلم والحياة لأن كلام المحبوب حياة القلوب . تنبيه : وتناسب لهذه المرتبة الثاني جمل إثنا عشر ليست بأدون من جملة التفهم وهي : النظر والتبصر والتدبر والتفكر والتذكر والتعقل والتأمل والتعلم والتنبه والتعهد والتيقظ والتفقد ، ولنذكر تفاصيلها . فالنظر هو طلب المعنى في القلب من جهة الذكر كما يطلب إدراك المحسوس بالعين ،