تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم إلا لعلمهم بما يتولد منه من الشر ، ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون » أي المتعمقون في البحث والاستقصاء ، واحتجوا أيضا بأن ذلك لو كان من الدين لكان
شرح
التشديدات ) والتهديدات ( فيه ، وقالوا ) مستدلين بأن ( ما سكت عنه الصحابة ) رضوان اللّه عليهم ( مع أنهم أعرف بالحقائق ) اللغوية والشرعية ( وأفصح بترتيب الألفاظ ) بعضها مع بعض ( من غيرهم ) ممن أتى بعدهم ( إلا لعلمهم بما يتولد منه من الشر ) . فمن ذلك ما أخرجه اللالكائي في السنّة من رواية يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، أخبرنا عبد اللّه بن محمد بن زياد ، ومالك بن أنس ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ذروني ما تركتكم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم » أخرجه البخاري من رواية مالك ، ومسلم من رواية سفيان عن أبي الزناد . وأخرج من رواية أبي العوام عن قتادة : ومن الناس من يجادل في اللّه بغير علم . قال : صاحب بدعة يدعو إلى بدعته ، ( ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « هلك المتنطعون هلك المتنطعون » ثلاث مرات ) . هكذا أخرجه مسلم في القدر من صحيحه قال : قال ذلك ثلاثا . وأخرجه الإمام أحمد في القدر أيضا ، وأبو داود في السنّة ، وليس عندهما ذكره ثلاث مرات كلهم عن ابن مسعود رضي اللّه عنه رفعه . ( أي المتعمقون ) المتقعرون ( في البحث والاستقصاء ) يقال : تنطع الرجل إذا تنطس في عمله . قال الزمخشري في الفائق : أراد النهي عن التمادي والتلاحي في القراءات المختلفة وأن مرجعها إلى واحد من الحسن والصواب اه . وقال النووي : فيه كراهة التقعر في الكلام بالتشدق وتكلف الفصاحة واستعمال وحشي اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم اه . وقال غيره : المراد بالحديث الغالبون في خوضهم فيما لا يعنيهم ، وقيل : المتعنتون في السؤال من عويص المسائل التي يندر وقوعها . وقيل : المبالغون في العبادة بحيث تخرج عن قوانين الشريعة ويسترسل مع الشيطان في الوسوسة . وقال الحافظ ابن حجر : قال بعض الأئمة : التحقيق أن البحث عما لا يوجد فيه نص قسمان . أحدهما : أن يبحث في دخوله في دلالة النص على اختلاف وجوهها ، فهذا مطلوب لا مكروه ، بل ربما كان فرضا على من تعين عليه . الثاني : أن يدقق النظر في وجوه الفروق فيفرق بين المتماثلين بفرق ولا أثر له في الشرع مع وجود وصف الجمع أو بالعكس بأن يجمع بين متفرقين بوصف طردي مثلا ، فهذا الذي ذمه السلف وعابه ، وعليه ينطبق خبر هلك المتنطعون فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته ، ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في كتاب ولا سنّة ولا إجماع وهي نادرة الوقوع فيصرف فيها زمنا كان يصرفه في غيرها أولى . سيما إن لزم منه إغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه ، وأشد منه البحث عن أمور معينة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها . ومنها ما يكون له شاهد في عالم الحس كالسؤال
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 77 | مرتضى الزبيدي