إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 479
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه الذي تلطف بعباده فتعبدهم بالنظافة ، وأفاض على قلوبهم تزكية لسرائرهم أنواره وألطافه ، وأعد لظواهرهم تطهيرا لها الماء المخصوص بالرقة واللطافة ، في [ افعال ] الطهارة بسم اللّه الرحمن الرحيم [ في البسملة والخطبة ] ( الحمد للّه ) في تعقيب التسمية بالتحميد اقتداء بأسلوب الكتاب المجيد ، وعملا بما شاع بل وقع عليه الإجماع وامتثال بحديثي الابتداء ، والكلام على الجملتين طويل الذيل قد ألفت فيها رسائل ووسائل ليس هذا محل ذكره . ( الذي تلطف بعباده ) أي ترفق بهم ، وهو من لطف الشيء كقرب لطافة ، وأصل اللطف الرفق ، ( فتعبدهم بالنظافة ) أي جعلهم ينقادون ويخضعون له بالنظافة . يقال : هذا أمر تعبدي وهو من العبادة وهي فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربه . ويقال تعبد الرجل إذا تنسك وتعبده دعاه إلى الطاعة والنظافة النقاء من الوسخ والدنس ، وقد نظف ككرم فهو نظيف ، ويتعدى بالتضعيف . والمعنى أن دعاء اللّه لعباده وأمره لهم بانقيادهم له بالإنقاذ من سائر الأوساخ والأدران من غاية رفق اللّه تعالى بهم ، وكمال لطفه وإحسانه بهم . والنظافة كما تكون بتنقية الظاهر ، كذلك تطلق على تنقية الباطن وكل منهما مراد هنا . ( وأفاض ) أي أجرى وأسال من الفيض ، وهو سيلان الماء وبه سمي نهر مصر بالفيض ، وفاض كل سائل جرى ، وفاض الخير كثر ، وفاض وأفاض يستعملان لازمين ، ولكن هنا متعد ( على قلوبهم ) أي قلوب أولئك العباد الذين اختارهم من الأزل وتعبدهم بالطهارة والنظافة في كل عمل ( تزكية ) أي صلاحا أو تنمية ( لسرائرهم ) جمع سريرة وهي خاطر النفس وما تسره أي تكتمه ( أنواره وألطافه ) المراد بالأنوار هنا في الواردات الإلهية التي تطرد الكون عن القلب ، والألطاف جمع اللطف والمراد به الرفق ويعبر عنه بما يقع عنده صلاح العبد آخرة أي إنما أفاض تلك الأنوار الزكية والألطاف الخفية على قلوبهم لتصفو وأسرارهم وتنمو سرائرهم ويكمل لهم التطهير المعنوي بمحض فضله تعالى وإفاضته ، ولا يكون الفيض والإفاضة إلا من الحق ، ( وأعد ) أي هيأ ( لظهواهرهم ) هو مقابل سرائرهم جمع الظاهر هو ما يظهر للعين من الإنسان من جوارحه الظاهرة ( تطهيرا لها ) أي لأجل تطهيرها من الأدران والأوساخ ( الماء المخصوص بالرقة واللطافة ) والرقة كالدقة ، لكن الدقة تقال اعتبار بمراعاة جوانب الشيء ، والرقة اعتبارا بعمقه ، فمتى كانت في جسم يضادها الصفاقة ، ويقال : ماء رقيق إذا كان جاريا سيالا واللطافة : ضد الكثافة ، والماء قد خص بهذين الوصفين وهو أول ظاهر للعين من أشباح