إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 471
. . . . . . . . . . أحدهما : أن افتاء الأصحاب بالقديم في بعض المسائل محمول على أن اجتهادهم أداهم إلى القديم لظهور دليله ، ولا يلزم من ذلك نسبته إلى الشافعي قال : وحينئذ فمن ليس أهلا للتخريج يتعين عليه العمل والفتوى بالجديد ، ومن كان أهلا للتخريج والاجتهاد فالمذهب يلزمه اتباع ما اقتضاه الدليل في العمل والفتوى به مبينا أن هذا رأيه ، وأن مذهب الشافعي كذا وكذا . قال : وهذا كله في قديم لم يعضده حديث صحيح لا معارض له ، فإن اعتضد بدليل فهو مذهب الشافعي ، فقد صح أنه قال : إذا صح الحديث فهو مذهبي . الثاني : أن قولهم القديم مرجوع عنه وليس بمذهب الشافعي محله في قديم نص في الجديد على خلافه أما قديم لم يتعرض في الجديد لما يوافقه ولا لما يخالفه ، فإنه مذهبه ، واللّه أعلم . الفصل التاسع في ذكر أصحاب التخريج والوجوه من المفتين وتفاوت درجاتهم باختلاف الأعصار : وقد تقدم شيء من ذلك في الفصل الأوّل من هذه الفصول العشرة وبقي منه ما تشتد الحاجة إليه ، فمن ذلك ما نقل الشهاب أحمد بن محمد الهائم الشافعي في كتابه ( نزهة النفوس ) نقلا عن ابن الصلاح ما حاصله : المفتون قسمان : مستقل وغيره ، والثاني هو المنتسب إلى أئمة المذاهب المتبوعة ، وله أربعة أحوال . إحداها : أن لا يكون مقلدا لإمامه لا في المذهب ولا في دليله لاتصافه بصفة المستقل ، وإنما ينسب إليه لسلوك طريقته في الاجتهاد ودعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقا لا يستقيم ولا يلائم المعلوم من حالهم ، أو حال أكثرهم ، ثم فتوى المفتي في هذه الحالة كفتوى المستقل في العمل بها والاعتداد بها في الاجماع والخلاف ، قال الأذرعي : وهذا شيء قد انطوى من زمان . الحالة الثانية : أن يكون مقيدا في مذهب إمامه مستقلا بتقرير أصوله بالدليل ، غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده ولا يعرى عن شوب تقليد له لإخلاله ببعض أدوات المستقل ، وهذه صفات أصحاب الوجوه ، وعليها كان أكثر الأئمة والأصحاب . الحالة الثالثة : أن لا يبلغ رتبة أصحاب الوجوه ، لكنه فقيه النفس حافظا مذهب إمامه ، عارف بأدلته ، قائم بتقرير ما يصور ويحرر ويقرر ويهمل ويزين ويرجح ، لكن قصر عن أولئك لقصوره عنهم في حفظ المذهب أو الارتياض في الاستنباط أو معرفة الأصول ونحوها . وهذه صفة كثير من المتأخرين إلى أواخر المائة الرابعة الذين رتبوا المذهب وحرروه ، وصنفوا من تصانيف فيها معظم اشتغال الناس اليوم ، ولم يلحقوا الذين قبلهم في التخريج . الحالة الرابعة : أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في الواضحات والمشكلات ، ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته ، فهذا يعتمد نقله وفتواه فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من نصوص إمامه وتفريع المجتهدين فيه ، وما لا يجده منقولا إن وجد في المنقول معناه بحيث