تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
النفاق تفاوت بين السر والعلانية ، والأمن من مكر اللّه ، والعجب ، وأمور أخرى لا يخلو عنها إلا الصديقون . الوجه الرابع : وهو أيضا مستند إلى الشك وذلك من خوف الخاتمة ، فإنه لا يدري
شرح
الأرض يكون له مخرج من موضع آخر ، ونافق اليربوع إذا أتى النافقاء ، ومنه قيل : نافق الرجل إذا أظهر الإسلام لأهله واضمر غير الإسلام وأتاه مع أهله أيضا ، فقد خرج منه بذلك . ثم استعمل في معنى ( تفاوت بين السر والعلانية ) كما نقل ذلك عن الحسن البصري ، ومنهم من عبره بتفاوت بين القول والعمل وهو قريب ( و ) قال بعضهم : هو ( الأمن من مكر اللّه تعالى ) ، وحقيقة المكر معنيان : أحدهما : أن يظهر شيئا ويخفي ضده ، والثاني : أن يكشف ما كان ستره ويفشي ما كان أسره بعد الطمأنينة والغرة . وقد قال سيدنا إبراهيم عليه السّلام في أحد الوجهين من تفسير قوله :وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً[ الأنعام : 80 ] ، ومثله قال شعيب عليه السّلام :وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ[ الأعراف : 89 ] ثم عللا جميعا بسعة العلم وسبقه لقصور علمهما عن علمه بعد خوف المشيئة ، فلم يأمنا أن يكون في سعة علم اللّه تعالى وفي خفي مشيئته ضد ما ظهر لهما من حكمته فيدركهما ما سبق في علمه ، وأنه لا مشيئة لهما في مشيئته ، وهذا هو خوف المكر . فالأنبياء عليهم السّلام مع فضلهم ومكانتهم يستثنون في الكفر خيفة المكر ولا يستثني الضعيف الجاهل في الإيمان . ( و ) قيل : أصل النفاق ( العجب ) وهو تصوّر استحقاق الشخص رتبة لا يكون مستحقا لها ، ( وأمور أخر ) هي دقائق لا يعرفها إلا العارفون ، ( ولا يخلو عنها إلا الصديقون ) . ومن شاء اللّه من أرباب الكمال من الواصلين حشرنا اللّه في زمرتهم بمنه وكرمه . تنبيه : قد بقي على المصنف في هذا الوجه ما يحسن ايراده ، فمن ذلك ما أورده البخاري معلقا في كتاب الإيمان فقال : وقال إبراهيم التميمي : ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا ، وقد وصله البخاري نفسه في تاريخه عن أبي نعيم ، وأحمد في الزهد عن ابن مهدي كلاهما عن سفيان الثوري عن أبي حيان التميمي عنه . قال البخاري أيضا . ويذكر عن الحسن قال : ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق . وقال الفريابي : حدثنا قتيبة ، حدثنا جعفر بن سليمان ، عن المعلى بن زياد قال : سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد باللّه الذي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق ، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن . وأخرجه أحمد بلفظ : واللّه ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق ولا أمنه إلا منافق . وقيل لأحمد بن حنبل : ما معنى الاستثناء في الايمان ؟ قال : أليس الايمان قول وعمل ؟ قيل : نعم . قال : فالتصديق بالقول والاستثناء في العمل . ونقش بعض أولاد التابعين على خاتمه : فلان لا يشرك باللّه شيئا . فقال أبوه : هذا أقبح من الشرك ، واللّه أعلم . الوجه الرابع : وهو آخر الوجوه ( وهو مستند أيضا إلى الشك و ) ليس ( ذلك ) الشك في