خفي ، وأبعد الناس منه من يتخوفه وأقربهم منه من يرى أنه بريء منه . فقد قيل للحسن البصري : يقولون أن لا نفاق اليوم ، فقال : يا أخي لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطريق . وقال هو أو غيره : لو نبتت للمنافقين أذناب ما قدرنا أن نطأ على الأرض بأقدامنا ، وسمع ابن عمر رضي اللّه عنه رجلا يتعرض للحجّاج فقال :
أرأيت لو كان حاضرا يسمع أكنت تتكلم فيه ؟ فقال : لا . فقال : كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من كان ذا لسانين في الدنيا جعله اللّه ذا لسانين في الآخرة » . وقال أيضا صلّى اللّه عليه وسلّم : « شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه
شرح
يكتمونه وهم الآن يظهرونه . ( وهذا النفاق يضاد صدق الايمان وكماله ) أراد به النفاق العملي فإنه الذي يطفئ نور الإيمان وكماله لا أصله ، ( وهو خفي ) المدرك ( وأبعد الناس منه من يتخوّفه ) من الوقوع ( وأقرب الناس منه من يرى أنه بريء منه ) كما تقدم النقل قريبا عن بعض العلماء ، ( فقد قيل للحسن البصري : يقولون أن لا نفاق ، فقال : لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطريق ) . أورده صاحب القوت بلفظ : وقيل للحسن : إن قوما يقولون لانفاق اليوم ، فقال يا ابن أخي ؛ لو هلك المنافقون لاستوحشت في الطرقات . ( قال هو وغيره : لو نبت للمنافقين أذناب ما قدرنا أن نطأ على الأرض ) هكذا في القوت إلا أنه قال وعنه وعن غيره . أي : روي هذا الكلام عنه وعن غيره لأنه روي هذا الكلام عن الحسن وعن غيره ، وأراد بقوله : ما قدرنا أي لكثرتهم ، ثم قال صاحب القوت : ( وسمع ابن عمر ) هو عبد اللّه بن عمر ( رجلا يتعرض للحجاج ) أي بسوء ، وعبارة القوت : يطعن على الحجاج ( فقال ) له :
( أرأيت لو كان ) الحجاج ( حاضرا ) بين يديك ( أكنت تتكلم فيه ) بما تكلمت به الآن ؟
( قال : لا . قال : كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) . قال العراقي : أخرجه أحمد والطبراني بنحوه وليس فيه الحجّاج اه .
ووجدت بخط من وجد بخط الحافظ ابن حجر ما نصه : هو في الغيلانيات من رواية يحيى البكاء عن ابن عمر وفيه ذكر الحجاج اه . وقول المصنف .
( وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من كان ذا لسانين في الدنيا جعله اللّه ذا لسانين في الآخرة » ) وهو من تتمة كلام ابن عمر ، وليس حديثا مستقلا كما هو ظاهر من سياق القوت حيث قال بعد قوله : كنا نعد هذا نفاقا في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من كان ذا لسانين في الدنيا كان له في الآخرة لسان من نار ، ثم قال بعد ذلك . وفي الخبر « شر الناس ذو الوجهين » الحديث .
فدل ذلك أن الذي قبله من كلام ابن عمر لا من كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فتأمل . ( وقال أيضا صلّى اللّه عليه وسلّم : « شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه » ) . هكذا أورده صاحب القوت ولم يتعرض له العراقي في المغني وهو في المتفق عليه من حديث أبي هريرة بلفظ :
« تجدون من شر الناس ذو الوجهين يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه » ، كذا في المقاصد