الوجه الأول : الذي لا يستند إلى معارضة الشك : الاحتراز من الجزم خيفة ما فيه من تزكية النفس قال اللّه تعالى :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ
[ النجم : 32 ] ، وقال :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ
[ النساء : 49 ] . وقال تعالى :
انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
[ النساء : 50 ] . وقيل لحكيم : ما الصدق القبيح ؟ فقال : ثناء المرء على نفسه . والإيمان من أعلى صفات المجد ، والحزم به تزكية مطلقة وصيغة الاستثناء كأنها نقل من عرف التزكية ، كما يقال للإنسان : أنت طبيب أو فقيه أو مفسر ؟
فيقول : نعم إن شاء اللّه لا في معرض التشكيك ، ولكن لإخراج نفسه عن تزكية نفسه ، فالصيغة صيغة الترديد والتضعيف لنفس الخبر ومعناه التضعيف اللازم من لوازم الخبر وهو التزكية . وبهذا التأويل لو سئل عن وصف ذم لم يحسن الاستثناء .
شرح
( الوجه الأوّل : لا يستند إلى معارضة الشك ) ، وهو ( الاحتراز من الجزم ) به ( خيفة ما فيه من تزكية النفس ) لا على وجه الشك والارتياب في اليقين ، ولا معنى الشك في التصديق فمن قال : أنا مؤمن حقا فقد زكى نفسه وعصى ربه عز وجل لأنه ( قال اللّه تعالى :فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ) هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى[ النجم : 32 ] فقد نهى فيه عن تزكية النفس وعرض المزكي نفسه للكذب ، ( وقال ) تعالى :أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْثم قال :انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) [ النساء : 49 ، 50 ] أشار إلى أن المزكي نفسه يعرضها للكذب ، فأشار بالآية الأولى إلى التزكية ، وبالثانية إلى ما يعرض من التزكية ، ( و ) من هنا ( قيل لحكيم : ما الصدق القبيح ؟ فقال : ثناء المرء ) . وفي بعض النسخ : الإنسان ( على نفسه ) وهو التزكية ، ولقائل أن يقول : وأي تزكية للنفس في قوله : انا مؤمن حقا ؟ فأشار المصنف إلى جوابه فقال : ( والإيمان من أعلى صفات المجد ) وأفخر ما يتحلى به ، ( والجزم به ) لنفسه بالحقية ( تزكية مطلقة ) لأنه نسب إلى نفسه أعلى صفات المجد ( وصيغة الاستثناء ) وهي إن شاء اللّه ( كأنه نقل من عرف التزكية ) هكذا في النسخ وهو المعتمد ، وهذا ( كما يقال للإنسان أنت طبيب أو فقيه أو مفسر ) أو محدث أو صوفي أو غير ذلك من هذا الضرب ، ( فيقول : نعم إن شاء اللّه ) فقوله هذا ( لا في معرض التشكيك ) بالشدة والضعف بأن يكرر بعض ما ذكر أكثر وأشد من بعض ، ( ولكن لإخراج نفسه عن تزكية نفسه ) الثناء عليها ( فالصيغة صيغة الترديد ) إذ موضوع « أن » في اللغة دخولها على المحتمل الذي هو الشك في قول ( و ) هو يلزم منه ( التضعيف لنفس الخبر ، ومعناه التضعيف اللازم من لوازم الخبر وهو التزكية وبهذا التأويل ) الذي حققناه ( لو سئل ) رجل ( عن وصف ذم ) كأن يقول له أنت جاهل أو أحمق أو بليد ( لم يحسن الاستثناء ) في الجواب ، وحاصل هذا الوجه أن الاستثناء يراد به التبرىء عن تزكية النفس والإعجاب بالحال ، وقد دفعه الحنفية بأن الأولى تركه لما أنه يوهم الشك على ما ذكره شارح العقائد وحكموا ببطلان هذا القول ، وقالوا :