الوجه الثاني : التأدب بذكر اللّه تعالى في كل حال وإحالة الأمور كلها إلى مشيئة اللّه سبحانه ، فقد أدب اللّه سبحانه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال تعالى :
وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الكهف : 23 ] ، ثم لم يقتصر على ذلك فيما لا يشك فيه ، بل قال تعالى :
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ
[ الفتح : 27 ] ، وكان اللّه سبحانه عالما بأنهم يدخلون لا محالة وانه شاءه ، ولكن المقصود تعليمه ذلك
شرح
ذلك لا يصح كما لا يصح قول القائل : أنا حي إن شاء اللّه ، وأنا رجل إن شاء اللّه .
وقال صاحب التعديل : هو صريح في الشك في الحال وهو لا يستعمل في المحقق في الحال حيث لا يقال : أنا شاب إن شاء اللّه ، ولعلمائنا الحنفية في هذا المبحث كلام طويل تركته لما في أكثره من نسبة التكفير والتضليل والتحريم إلى قائله ، فلم أستحسن ايراده إذ قد أطبق السلف على التكلم به ، فكيف ينسبون إلى شيء مما ذكر ، وهم وسائطنا إلى اللّه ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن غلوهم وتشديداتهم سموهم مستثنية شكية ، وبنوا على ذلك أنه لا يصلى خلف شاك في إيمانه ، وأرادوا به ذلك . هذا الكلام واللّه يغفر لقائله إنما صدر من متأخرين . منهم إذا حقق البحث معه رجع إلى أمر لفظي وما أراده به من هذه المسألة يرجع إلى ما اعتقدوه بمن يقول هذه المقالة وهو بريء مما أرادوه به ، والأئمة المتقدمون من أصحابنا لم يبلغنا عنهم ذلك ، وإمامنا الأعظم رضي اللّه عنه وإن كان قد نقل عنه الإنكار في هذه القولة لم ينقل عنه مثل ما قاله هؤلاء المتأخرون من أصحابه ، ولئن سلمنا قولهم من التكفير والتضليل ، فكيف يفعلون في عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه ، وإبراهيم النخعي ، وعلقمة ؟ وهؤلاء أصول المذهب وقد ذهبوا إلى ما ذهب إليه غيرهم من السلف ، فالأولى كف الكلام في ذلك إلا عند الضرورة مع كمال مراعاة الأدب والاحترام للمشايخ القائلين بهذه القولة وعدم نسبتهم إلى شيء من الضلال والابتداع فضلا عن الكفر ، فهذا الخلاف لفظي أو معنوي لا يترتب عليه كفر ولا بدعة . نعوذ باللّه من ذلك ، وباللّه التوفيق .
الوجه الثاني : في جواز الاستثناء المخرج على غير وجه الشك وهو التبرك ( التأدب بذكر اللّه ) تعالى ( في كل حال ) لكون هذه الجملة مشتملة على ذكر اسم الذات ( وإحالة الأمور كلها إلى مشيئة اللّه سبحانه ) فهو تعالى ما شاء فعل ولا يسأل عما يفعل ، ( فقد أدب اللّه سبحانه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال ) مخاطبا له :وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ[ الكهف : 23 ] ، واذكر ربك إذا نسيت أي الاستثناء ، والمعنى فاستثن إذا ذكرت ، فتأدب صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك أحسن الأدب ، وكان يستثني في الشيء يقع لا محالة كذا في القوت ، ( ثم لم يقتصر على ذلك فيما يشك فيه ، بل قال ) وهو أصدق القائلين معلما لعباده الاستثناء :( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ ) لا تَخافُونَ[ الفتح : 27 ] ( وكان اللّه سبحانه عالما ) بعلمه القديم الأزلي ( بأنهم يدخلون ) مكة كما وصف ( لا محالة وإنه شاء ) كذلك ، ( ولكن المقصود تعليمه ذلك ) لتتعلم أمته منه ( فتأدب رسول اللّه