تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
في معاقبة العاصين ومقادير العقاب ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان » . فكيف يخرج إذا لم يدخل ؟ ومن القرآن قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ
[ النساء : 48 ] والاستثناء بالمشيئة يدل على الانقسام . وقوله تعالى :
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها
[ الجن : 23 ] وتخصيصه بالكفر تحكم . وقوله تعالى :
أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ
[ الشورى : 45 ] ، وقال تعالى :
وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ
[ النمل : 9 ] ، فهذه العمومات في معارضة عموماتهم ولا بدّ من تسليط التخصيص والتأويل على الجانبين لأن الأخبار مصرحة بأن العصاة يعذبون ، بل قوله تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
[ مريم : 71 ] كالصريح في أن ذلك لا بدّ منه للكل
شرح
( قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان » ) وقد تقدم الكلام عليه مرارا . ( فكيف يخرج إذا لم يدخل ) ؟ أي : كيف يتصور الخروج من شيء إلا بعد الدخول فيه ، أو الإخراج إلا بعد الإدخال ؟ على اختلاف الروايتين ( و ) دليله من القران ( قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) *) أي يكفر به ولو بتكذيب نبيه ، لأن من جحد نبوة الرسول عليه السّلام مثلا فهو كافر ، ولو لم يجعل مع اللّه إلها آخر والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) فصير ما دون الشرك تحت إمكان المغفرة فمن مات على التوحيد غير مخلد في النار وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما عساه أن يرتكب ، ( والاستثناء بالمشيئة يدل على الانقسام ) إلى كبيرة وصغيرة ، ففيه تجويز العقاب على الصغيرة سواء اجتنب مرتكبها الكبيرة أم لا لقوله تعالى :لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها[ الكهف : 49 ] والإحصاء إنما يكون للسؤال والجزاء ( و ) مثله في تجويز العقاب على الصغيرة ( قوله تعالى :وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً[ الجن : 23 ] وتخصيصه بالكفر تحكم ) بلا دليل ، ( و ) مثله ( قوله تعالى :أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ[ الشورى : 45 ] وقال تعالى :وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ )[ النمل : 90 ] والمراد بالسيئة في مقابلة الحسنة أعم من أن تكون صغيرة أو كبيرة ( فهذه العمومات ) الواردة في الآي السابقة ( في معارضة ) أي مقابلة ( عموماتهم ) التي تمسكوا بها ، ( ولا بد من تسليط التخصيص ) في تلك العمومات فإنه ما من عام إلا وقد خص ، ( و ) لا بد من ( التأويل على الجانبين لأن الأخبار ) الصحيحة ( مصرحة بأن العصاة يعذبون ) على قدر ذنوبهم منها : ما أخرجه البخاري في الصحيح من حديث أنس رفعه « ليصيبن أقواما سفع بذنوب أصابوها » . ويأتي للمصنف ذكر عدة أحاديث في تعذيب العصاة في آخر الكتاب عند ذكر الموت نتكلم عليها إن شاء اللّه تعالى ، ( بل قوله تعالى :وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ) كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا[ مريم : 71 ] ( كالتصريح في أن ذلك ) أي الورود ( لا بد منه للكل إذ لا يخلو
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 394 | مرتضى الزبيدي