فإن قلت : فما شبهة المعتزلة والمرجئة وما حجة بطلان قولهم ؟ فأقول ، شبهتهم عمومات القرآن ، أما المرجئة فقالوا : لا يدخل المؤمن النار وإن أتى بكل المعاصي لقوله عز وجل :
فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً
[ الجن : 13 ] ، ولقوله عز وجل :
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ
[ الحديد : 19 ] الآية .
ولقوله تعالى :
كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها
إلى قوله :
فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ
شرح
وظاهره عدم الاكتفاء بحصوله دون كسب .
قال ابن الهمام : وفيه نظر ، بل إذا حصل كذلك دفعيا كفى ضم ذلك الأمر الآخر من الانقياد الباطن إليه ، وذلك التكليف الكائن لتعاطي أسباب العلم إنما هو لمن لم يحصل له العلم ، فإذا حصل هو سقط ما وجوبه لأجله وباللّه التوفيق .
ومنها : أن الأظهر أن التصديق قول للنفس غير المعرفة لأن المفهوم من التصديق لغة هو نسبة الصدق إلى القائل وهو فعل ، والمعرفة ليست فعلا إنما هي من قبيل الكيف المقابل لمقولة الفعل فلزم خروج كل من الانقياد الذي هو الاستسلام ، ومن المعرفة عن مفهوم التصديق لغة مع ثبوت اعتبارهما شرعا في الإيمان ، وثبوت اعتبارهما له بهذا الوجه على أنهما جزءان لمفهومه شرعا ، أو شرطان لاعتباره لإجراء أحكامه شرعا ، والثاني هو الأوجه إذ في الأول يلزم نقل الإيمان من المعنى اللغوي إلى معنى آخر شرعي ، وهو بلا دليل يقتضي وقوعه منتف لأنه خلاف الأصل ؟
فلا يصار إليه إلا بدليل ولا دليل بل قد كثر في الكتاب والسنة طلبه من العرب ، وأجاب من أجاب إليه دون استفسار عن معناه وإن وقع استفسار من بعضهم فإنما هو عن متعلق الإيمان وعدم تحقق الإيمان بدون المعرفة ، والاستسلام لا يستلزم جزئيتهما لمفهومه شرعا لجواز أن يكونا شرطين للإيمان شرعا ، وحقيقته التصديق بالأمور الخاصة بالمعنى اللغوي ، وإذا تقرر ذلك ظهر ثبوت التصديق لغة بدونهما مع الكفر الذي هو ضد الإيمان واللّه أعلم .
ثم عاد المصنف إلى ما سبق الوعد به آنفا من رد شبه المعتزلة والجهمية وقال : ( فإن قلت : فما شبهة المعتزلة والمرجئة ) ، والفرقتان من فحول المتكلمين ، وما لم يعرف أصل ما تعلقوا به من الكتاب والسنة لم يعرف وجه الرد عليهم وتميز الباطل من الحق ، ولذا قال : ( وما حجة بطلان قولهم ) فبينوا لنا ذلك ؟ فأشار إلى الجواب بقوله : ( فأقول : شبهتهم ) وأصل الشبهة مشابهة الحق للباطل والباطل للحق من وجه إذا حقق النظر فيه ذهب أي فالذي تمسكوا به ( عمومات ) وردت في آي من ( القرآن أما المرجئة ) فإنهم ( قالوا : لا يدخل المؤمن النار وإن أتى بكل المعاصي ) بناء على أن المعصية لا تضر الإيمان ، كما أن الكفر لا تنفع معه طاعة وجعلوه أصلا من أصولهم ، ثم بنوا عليه قواعدهم نظرا ( لقوله عز وجل ) في سورة الجن :( فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً )أي نقصا على طريق الظلم( وَلا رَهَقاً )[ الجن : 13 ] أي عسرة وكلفة ( ولقوله عز وجل :وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ )[ الحديد : 19 ] أي المواد دون للّه بحسن إخلاصهم ، ووجه الدلالة قصر من اتصف بالإيمان على