تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
. . . . . . . . . .
شرح
ومنها : اختلفوا في التصديق القائم بالقلب الذي هو جزء مفهوم الإيمان على قول أو تمامه على قول آخر أهو من باب العلوم والمعارف أو من باب الكلام النفسي ، فقيل بالأول وهو مدفوع أولا بالقطع بكفر كثير من أهل الكتاب مع علمهم بحقيقة رسالته صلّى اللّه عليه وسلّم وما جاء به كما أخبر عنهم سبحانه بقوله :الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ[ البقرة : 146 ] وثانيا الإيمان مكلف به والتكليف إنما يقع بالأفعال الاختيارية والعلم مما يثبت بلا اختيار كمن وقعت مشاهدته على من ادعى النبوة وأظهر المعجزة بأن يشاهد كلا من الدعوى وظهور المعجزة فلزم نفسه عند ذلك العلم بصدقه . وقال إمام الحرمين في الإرشاد : التصديق على التحقيق كلام النفس ، ولكن لا يثبت إلا مع العلم ، وكلام النفس يثبت على حسب الاعتقاد ، وإليه ذهب جماعة ونقل صاحب الغنية عن الأشعري في معناه فقال مرة : هو المعرفة بوجوده وإلاهيته وقدمه ، وقال مرة : هو قول في النفس غير أنه يتضمن المعرفة ولا يصح دونها ، وارتضاه الباقلاني فإن التصديق والتكذيب والصدق والكذب بالأقوال أجدر منه بالمعارف والعلوم اه . قال ابن الهمام : وظاهر عبارة الأشعري في هذا السياق أن التصديق كلام للنفس مشروط بالمعرفة يلزم من عدمها عدمه ، ويحتمل أن الإيمان هو المجموع من المعرفة والكلام النفسي ، فيكون كل منهما ركنا من الإيمان فلا ينافي تحقيق الإيمان على كلا الاحتمالين من المعرفة . أعني : ادراك مطابقة دعوى النبي للواقع ، ومن أمر آخر هو الاستسلام الباطن والانقياد لقبول الأوامر والنواهي المستلزم للإجلال وعدم الاستخفاف ، وهذا الاستسلام الباطن هو المراد بكلام النفس ، وبه عبر المصنف في كلامه على الإيمان والإسلام ، وإنما قلنا : انه لا بد مع المعرفة من الأمر الآخر وهو الاستسلام الباطن لما تقدم من ثبوت مجرد تلك المعرفة مع قيام الكفر وبلا كسب واختيار فيه وبلا قصد إليه ، ومع كونه يثبت بلا كسب واختيار فيه وبلا قصد إليه يتعلق ظاهر التكليف به نحو قوله تعالى :فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ[ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم : 19 ] والمراد اكتسبه بفعل أسبابه من القصد إلى النظر في الآثار على الوجه المؤدي إلى المقصود حتى لو وقع العلم لانسان دفعيا من غير ترتيب مقدمات احتاج إلى تحصيله مرة أخرى كسبا . قال السعد في شرح المقاصد : أعلم أن حصول هذا التصديق قد يكون بالكسب أي مباشرة الأسباب بالاختيار كالقاء الذهن وصرف النظر وتوجيه الحواس وما أشبه ذلك . وقد يكون بدونه كمن وقع عليه الضوء ، فعلم أن الشمس طالعة ، والمأمور به يجب أن يكون من القسم الأول ، ثم قال لا يفهم من نسبة الصدق إلى المتكلم بالقلب سوى إذعانه وقبوله وإدراكه لهذا المعنى أعني : كون المتكلم صادقا من غير أن يتصور هناك فعل وتأثير من القلب ويقطع بأن هذا كيفية للنفس قد يحصل بالكسب والاختيار ومباشرة الأسباب ، وقد يحصل بدونها . فغاية الأمر أن يشترط فيما يعتبر في الإيمان أن يكون تحصيله بالاختيار على ما هو قاعدة المأمور به اه .