تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
. . . . . . . . . .
شرح
وقد اتفق الأشاعرة والحنفية على تلازم الإيمان والإسلام بمعنى أنه لا إيمان يعتبر بلا إسلام ، ولا اسلام يعتبر بدون إيمان ، فلا ينفك أحدهما عن الآخر ، فيمكن اعتبار هذه الأمور التصديق والإقرار وعدم الإخلال بما ذكر أجزاء لمفهوم الإيمان ، فيكون انتفاء ذلك اللازم الذي هو ما شاء تعالى من خير بلا انقضاء عند انتفائها لانتفاء الإيمان بانتفاء أجزائه ، وإن وجد جزؤه الذي هو التصديق وغاية ما فيه أنه نقل عن مفهومه اللغوي الذي هو مجرد التصديق إلى مجموع أمور اعتبرت جملتها ووضع بإزائها لفظ التصديق جزء منها . قال ابن الهمام : ولا بأس بهذا القول وإن كان المختار خلافه فإنا قاطعون بأنه لم يبق على حاله الأول قد اعتبر الإيمان شرعا تصديقا خاصا ، وهو ما يكون بأمور خاصة واعتبر فيه أيضا شرعا أن يكون بالغا حد العلم وإلا فالجزم الذي لا يجوز معه ثبوت النقيض سواء كان الموجب من حس أو عقل أو عادة وهو العلم أو لا لموجب كاعتقاد المقلد وهو في اللغة أعم من ذلك ، ويمكن اعتبار هذه الأمور المذكورة شروطا لاعتباره شرعا فينتفي أيضا لانتفائها مع وجود التصديق بمحلية القلب واللسان إذ الشرط يلزم من عدمه عدم المشروط ، ولا يمكن اعتبارها شرعا شروطا لثبوت اللازم الشرعي فقط دون ملزومه وهو الإيمان ، فينتفي عند انتفائها مع قيام ملزوم وهو الإيمان لأن الفرض أن عند انتفائها يثبت ضد لازم الإيمان وهو لازم الكفر فيثبت ملزومه وهو الكفر وباللّه التوفيق . ومنها : أن الإستدلال الذي به يكتسب التصديق القلبي ليس شرطا لصحة الإيمان على المختار حتى صححوا إيمان المقلد ومنعه المعتزلة ، ونقل عن أبي الحسن الأشعري ، وقال أبو القاسم القشيري : هو افتراء عليه ، وقل أن يرى مقلد في الإيمان باللّه تعالى إذ كلام العوام في الأسواق محشو بالاستدلال بالحوادث على وجوده وصفاته والتقليد مثلا أن يسمع الناس يقولون : إن للخلق ربا خلقهم وخلق كل شيء ويستحق العبادة عليهم وحده لا شريك له ، فيجزم بذلك لجزمه بصحة إدراك هؤلاء تحسينا لظنه بهم ، وتعظيما لشأنهم عن الخطأ ، فإذا حصل عن ذلك جزم لا يجوز معه كون الواقع النقيض ، فقد قام بالواجب من الإيمان إذ لم يبق سوى الإستدلال على حصول ذلك الجزم ، فإذا حصل ما هو المقصود منه فقد تم قيامه بالواجب ، ومقتضى هذا التعليل أن لا يكون عاصيا بعدم الإستدلال ، لأن وجوبه إنما كان ليحصل ذلك الجزم ، فإذا حصل سقط وجوبه الذي هو وسيلة إذ لا معنى لاستحصال المقصود بالوسيلة بعد حصوله دونها ، غير أن بعضهم ذكر الإجماع على عصيانه بترك الإستدلال ، فإن صح فبسبب أن التقليد عرضة لعروض التردد بعروض شبهة له بخلاف الإستدلال المحصل للجزم ، فإن فيه حفظه . ومما يدل أيضا على قيام المقلد بالواجب من الإيمان أن الصحابة رضي اللّه عنهم كانوا يقبلون إيمان عوام الأمصار التي فتحوها من العجم تحت السيف ، ولآت حال استدلال أو لموافقة بعضهم بعضا بأن يسلم زعيم منهم مثلا فيوافقه غيره ، وتجويز حملهم إياهم على الإستدلال بعيد في بعض الأحوال التي إذا نقلت يكاد يحزم العقل بعدم الإستدلال معها وباللّه التوفيق .