تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
ولا يتم دونه ، وادعى الاجماع فيه واستدل بأدلة تشعر بنقيض غرضه كقوله تعالى :
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ *
إذ هذا يدل على أن العمل وراء الايمان لا من نفس الإيمان وإلا فيكون العمل في حكم المعاد ؟ والعجب أنه ادعى الاجماع في هذا وهو مع ذلك ينقل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يكفر أحد إلا بعد جحوده لما أقر به » . وينكر على المعتزلة قولهم بالتخليد في النار بسبب الكبائر ، والقائل بهذا قائل بنفس مذهب
شرح
167 ] أراد سبحانه أن قول هؤلاء قول المؤمنين وأن قولهم من أعمالهم لأنهم منفردون بالقول دون العلم ، ثم قال بعد ذلك : فاما أن يكون دليلا أن القول حسب الإيمان كله وأن الإيمان يكون قولا لا يحتاج إلى عمل ، فهذا باطل . ( وادعى الاجماع فيه ) وذلك في قوله بعد ان أورد أثرا عن علي رضي اللّه عنه : الإيمان قول باللسان وعقد بالقلب وعمل بالأركان ، فأدخل أعمال الجوارح في عقود الايمان ، وأيضا فإن الأمة مجمعة : أن العبد لو آمن بجميع ما ذكر في عقود القلب في حديث جبريل عليه السّلام ، ثم لم يعمل بما ذكرناه من وصف الإسلام بأعمال الجوارح أنه لا يسمى مؤمنا وإنه إن عمل بجميع ما وصف به الإسلام ولا يعتقد ما وصف الإيمان أنه لا يكون مسلما ، وقد أخبر نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن أمته لا تجتمع على ضلالة . فهذه العبارة تشعر بدعوى الإجماع ، ( واستدل بأدلة تشعر بنقيض غرضه ) الذي ساق الكلام لأجله ( كقوله تعالى :الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ *) وكقوله تعالى :إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ[ الفرقان : 7 ] وكقوله تعالى :إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً[ سبأ : 37 ] وكقوله تعالى :الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ[ الزخرف : 69 ] وكقوله تعالى :لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ[ يوسف : 57 ] ( إذ هذا يدل على أن العمل وراء الإيمان ) أي غيره ودونه ( لا من نفس الإيمان ) أي من ماهيته ( وإلا فيكون العمل من المعاد ) أي المكرر ، وهذا نقيض مطلوبه الذي هو اثبات كون العمل من الإيمان وانه لا يتم بدونه ، ( والعجب ) منه ( أنه ادعى الاجماع ) أي إجماع الأمة ( في هذا وهو مع ذلك ينقل قوله صلّى اللّه عليه وسلّم ) ونصه « أن الإيمان والعمل قرينان لا ينفع أحدهما دون صاحبه ولا يصح أحدهما إلا بالآخر كما لا يصحان ولا يوجدان معا إلا بنفي ضدهما وهو الكفر » كما روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ( لا يكفر أحد إلا بجحوده بما أقرّ به ) » . ونص القوت إلا بجحود ما أقرّ به . وفي بعض نسخ الإحياء إلا بعد جحوده لما أقرّ به . قال العراقي : أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد بلفظ « لن يخرج أحد من الإيمان إلا بجحوده ما دخل فيه » واسناده ضعيف اه . قلت : وهكذا هو في الجامع الكبير للسيوطي ، والجحد والجحود يقال فيما ينكر باللسان لا بالقلب . ( وينكر على المعتزلة قولهم بالتخليد في النار بسبب الكبائر ) ونصه : وجميع ما شرحناه وذكرناه عن السلف الصالح يبطل قول المرجئة والكرامية والأباضية ، ويدحض دعواهم في أن الإيمان قول أو معرفة أو عقد بلا عمل ، وهو رد على القائلين بالمنزلة بين المنزلتين الذين