. . . . . . . . . .
شرح
الغريب ما نقله القطب الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس اللّه سره في كتاب الغنيمة عند ذكر الفرق الغير الناجية حيث قال : ومنهم القدرية وذكر أصنافا منهم ، ثم قال : ومنهم الحنفية وهم أصحاب أبي حنيفة النعمان بن ثابت زعم أن الإيمان هو المعرفة والإقرار باللّه ورسوله ، وبما جاء من عنده جملة ما ذكره البرهوتي في كتاب الشجرة اه .
قلت : وهكذا نقل أبو الحسن الأشعري في مقالاته عنه ، وحكى عنّان وجماعة من أصحاب أبي حنيفة عنه أنه قال : الإيمان هو الاقرار والمعرفة باللّه عز وجل والتسليم له والهيبة منه وترك الاستخفاف بحقه ، والذي ذكره الصفار في تلخيص الأدلة : انه هو التصديق بالقلب والاقرار باللسان ، هكذا قاله أبي حنيفة . وفي لفظ : معرفة بالقلب واقرار باللسان هكذا ذكره الحارثي في الكشف ، ونقل الرواية الأولى كذلك قال : وأراد بالمعرفة التصديق وإذا علمت ذلك فاعلم أن في كلام صاحب الغنيمة نظرا من وجهين .
الأوّل : مخالفته لما نقل عنه أصحابه في الإيمان وأملاه في الفقه الأكبر وغيره مما نسب إليه ، وحمل أصحاب أصحابه إلى أصحابهم إلى أن وصل إلينا بالنقل الصحيح المعتبر من طريق صحيح لا مطعن في رواتها لجلالة قدرهم أن يعزوا لمشايخهم ما ليس من معتقداتهم ، ونص مذهبه في الإيمان أنه مجرد التصديق القلبي دون الاقرار ، فإنه شرط عنده لإجراء أحكام الإسلام على ما تقدم عن النسفي ، أو ركن على ما نقله غيره . وقد صرح بذلك سائر كتب العقائد الموضوعة للخلاف بين أهل السنة والجماعة ، وبين المعتزلة وأهل البدعة ، وعلى التسليم إذا قلنا : إن الإيمان عنده هو المعرفة والاقرار كما نقل عنه جماعة ، فإن المعرفة عنده هو التصديق ، وعلى تسليم التفريق بينهما هو أولى من أن يقال أن الإيمان هو التصديق والاقرار لأن التصديق الناشئ عن التقليد دون التحقيق مختلف في قبوله بخلاف المعرفة الناشئة عن الدلالة مع الاقرار ، فإنه ايمان بالاجماع .
وأما الاكتفاء بالمعرفة دون الاقرار والاقرار دون المعرفة فهو محل النزاع كما قاله بعض أهل الابتداع .
والثاني : عده المرجئة المذمومة من القدرية من أغرب ما سمع . أين المرجئة من القدرية ؟ تلك طائفة وأولئك أخرى ، فالمرجئة قالوا : لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة ، فزعموا أن أحدا من المسلمين لا يعاقب على شيء من الكبائر ، فأين هذا الارجاء من ذلك الارجاء ؟ ثم قول إمامنا مطابق لنص القرآنإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ[ النساء : 48 ] بخلاف المرجئة حيث لا يجعلون الذنوب ما عدا الكفر تحت المشيئة ، وبخلاف القدرية حيث يوجبون العقوبة على صاحب الكبيرة . ومن المرجئة طائفة يقال لهم الجهمية ، ولهم أيضا فضائح يأتي بعضها في هذا الكتاب مع الرد عليهم ، والظاهر أن هذه العبارة في الغنيمة مدسوسة عليه كما جرى لغيره من الأئمة ، ودسوا في كتبهم ما ليس من كلامهم ، ومثل القطب قدس اللّه سره يصون مقام الإمام أبي حنيفة ويناضل عنه . كيف والأئمة الكبار من معاصريه كمالك وسفيان والشافعي وإمامه أحمد والأوزاعي وإبراهيم بن أدهم قد أثنوا عليه