والدرجة الثانية : أن يوجد اثنان وبعض الثالث - وهو القول والعقد وبعض الأعمال - ولكن ارتكب صاحبه كبيرة أو بعض الكبائر ، فعند هذا قالت المعتزلة :
خرج بهذا عن الإيمان ولم يدخل في الكفر بل اسمه فاسق وهو على منزلة بين المنزلتين وهو مخلد في النار ، وهذا باطل كما سنذكره .
الدرجة الثالثة : أن يوجد التصديق بالقلب والشهادة باللسان دون الأعمال بالجوارح ، وقد اختلفوا في حكمه ، فقال أبو طالب المكي : العمل بالجوارح من الإيمان
شرح
( والدرجة الثانية : أن يوجد اثنان وبعض الثالث ) ثم بينه بقوله : ( وهو القول ) أي الاقرار باللسان ( والعقد ) القلبي ، ( وبعض الأعمال ) القالبية ، ( ولكن ارتكب صاحبه كبيرة أو بعض الكبائر ) . وقد اختلف في حد الكبيرة وعد الكبائر ، وأحسن ما قيل في حدها هي كل معصية تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة ، أو كل ما توعد عليه بخصوصه من الكتاب أو السنّة ، وأما عد الكبائر فقد قال الشيخ أبو طالب المكي في القوت : هي أربع من أعمال القلوب والشرك والاصرار والقنوط والامن ، وأربع في اللسان شهادة الزور وقذف المحصنات واليمين الغموس والسحر ، وثلاث في البطن شرب الخمر والمسكر من الأشربة ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا وهو يعلمه . واثنان في الفرج الزنا واللواط ، واثنان في اليد القتل والسرقة ، وواحدة في الرجل فرار الواحد من الاثنين يوم الزحف ، وواحدة في الجسد وهي عقوق الوالدين وسيأتي لهذا البحث زيادة تحقيق في موضعه من هذا الكتاب ، ( فعند هذا قالت المعتزلة ) جمهورهم : ( خرج بهذا ) الارتكاب ( عن ) دائرة ( الإيمان ولم يدخل ) في دائرة ( الكفر بل اسمه الفاسق ) عندهم ، فارتكاب الكبيرة عندهم فسق ( وهو على منزلة بين المنزلتين ) ليس بمؤمن ولا كافر ( وهو مخلد في النار ) ، ووافقهم الخوارج في أن صاحب الكبيرة مخلد في النار ( وهو باطل لما سنذكره ) بعد .
( والدرجة الثالثة : أن يوجد ) اثنان ( التصديق بالقلب والشهادة باللسان دون ) الثالث . أي : ( الأعمال بالجوارح : وقد اختلفوا في حكمه ) مما يتعلق بالآخرة ، ( فقال ) الشيخ ( أبو طالب ) محمد بن علي بن عطية الحارثي ( المكي ) رحمه اللّه تعالى في كتابه قوت القلوب في الباب الثالث والثلاثين منه : ( العمل من الإيمان ولا يتم دونه ) ، وهذا يفهم من سياقه في عدة مواضع . منها : قوله : وإن الإيمان والعمل قرينان لا يصح أحدهما إلا بالآخر كما لا يصحان ولا يوجدان معا إلا بنفي ضدهما وهو الكفر ، وقال في موضع آخر : وقد اشترط اللّه عز وجل للإيمان العمل الصالح ونفي النفع بالايمان إلا بالعمل ووجوده ، وقال في موضع آخر شرط الإيمان العمل والتقوى كما أن شرط الأعمال الصالحة الإيمان ، وقال أيضا في تفسير قوله تعالى :الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ[ المائدة : 3 ] فصارت الأعمال متعلقة بالإيمان وهما الدين المكمل . وقال أيضا في تفسير قوله تعالى :يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ[ آل عمران :