ونحن نكشف الغطاء عنه ونقول : من جمع بين هذه الثلاثة فلا خلاف في أن مستقره الجنة وهذه درجة .
شرح
وعلى معتقده وفقهه وورعه وخوفه وتضلعه من علوم الشريعة واجتهاده وعبادته ، واحتياطه في أمور الدين ما هو مسطور في الكتب المطوّلة ، ومحاجته مع جهم بن صفوان في أن الإيمان هو التصديق بالقلب والاقرار باللسان ، وكان جهم يكتفي بالتصديق وإلزامه إياه مشهور في الكتب ، وقد حكى الكعبي في مقالاته ، ومحمد بن شبيب عن أبي حنيفة في الإيمان كلاما هو عنه بريء ، وكذا اجتماعه بعمر بن أبي عثمان الشمري بمكة ، ومناظرته في الإيمان من أكاذيب المعتزلة عن أبي حنيفة لإنكاره عليهم في أصول دياناتهم وجعلهم من أهل الأهواء حنقا عليه وحسدا ، وهو قد برأه اللّه من كل ذلك فتأمل .
ولنعد إلى شرح كلام المصنف قال : ( ومن قائل يزيد ) على التصديق والاقرار ( أمرا ثالثا ) وهو ( العمل بالأركان ) أي سائر الجوارح ، وهذا قول الخوارج ، فمسمى الإيمان عندهم تصديق القلب والاقرار باللسان والعمل بالجوارح ، فماهيته على هذا مركبة من ثلاثة ، فمن أخل بشيء منها فهو كافر ، ولذا قالوا مرتكب الذنب مطلقا كافر لانتفاء جزء الماهية ، والذنوب عندهم كبائر كلها وتعليلهم بانتفاء جزء الماهية مبني على أن لا واسطة بين الإيمان والكفر ، أما على ما ذهب إليه المعتزلة من إثبات الواسطة فلا يلزم عندهم من انتفاء الإسلام ثبوت الكفر ، وإن وافقوا الخوارج في اعتبار الاعمال فإنهم يخالفونهم من وجهين : أحدهما : أن المعتزلة يقسمون الذنوب إلى كبائر وصغائر ، وارتكاب الكبيرة عندهم فسق ، والفاسق عندهم ليس بمؤمن ولا كافر ، بل منزلة بين المنزلتين . والثاني : أن الطاعات عند الخوارج جزء كانت فرضا أو نفلا ، وعند المعتزلة الطاعات شرط لصحة الإيمان ، ثم اختلفوا فقال أبو الهذيل العلاف ، وعبد الجبار الشرط الطاعات فرضا كانت أو نفلا . وقال الجبائي وابنه : وأكثر معتزلة البصرة الشرط هو الطاعات المفترضة من الأفعال والتروك دون النوافل .
تنبيه :
ذكر المصنف في مفهوم الإيمان ثلاثة أقوال : الأوّل للأشعري ، والثاني للحنفية ، والثالث للخوارج ، وبقي عليه قول من قال : إن مسماه التصديق باللسان فقط أي الاقرار بحقية ما جاء به الرسول بأن يأتي بكلمتي الشهادة ، وهو قول الكرامية . وسيأتي للمصنف قريبا . فليس عندهم من شرط كون الإيمان إيمانا وجود التصديق والمعرفة . قالوا : فإن طابق تصديق القلب فهو مؤمن ناج وإلا فهو مؤمن مخلد في النار ، فليس لهم كبير خلاف في المعنى . وقيل : الإيمان هو المعرفة فقط وهو قول الجهمية ، وقيل : هو الاقرار بشرط التصديق والمعرفة وهو قول عبد اللّه بن سعيد القطان من أئمة السنّة ، ولم يعرج المصنف على هذه الأقوال وقال : ( ونحن نكشف الغطاء عنه ونقول : من جمع بين هذه الثلاث ) التصديق والاقرار والعمل ( فلا خلاف في أن مستقره الجنة ) باتفاق هؤلاء ( وهذه درجة ) من درجات ست .