القائم بأمور الخلق ولا يجوز اطلاق هذه اللفظة على غير الباري تعالى لما فيها من المبالغة كما ذكروا ذلك في الرحمن وغيره .
وقال المصنف في المقصد الأسنى : القيوم هو الذي قوامه بذاته وقيام كل شيء به وليس ذلك إلا للّه تعالى ، فإن الأشياء تنقسم إلى ما لا يقوم بنفسه ويفتقر إلى محل كالاعراض والأوصاف ، فيقال فيها : انها ليست قائمة بأنفسها أو إلى ما لا يحتاج إلى محل ، فيقال : قائم بنفسه كالجواهر إلا أن الجوهر وإن استغنى عن محل يقوم به فليس مستغنيا عن أمور لا بد منها لوجوده ، وتكون شرطا في وجوده فلا يكون قائما بنفسه لأنه محتاج في قوامه إلى وجود غيره ، وإن لم يحتج مع ذلك إلى محل فإن كان موجود يكفي ذاته بذاته ولا قوام له بغيره ولا يشترط في دوام وجوده وجود غيره فهو القائم بنفسه مطلقا ، فإن كان مع ذلك يقوم به كل موجود حتى لا يتصوّر للأشياء وجود ولا دوام وجود إلا به ، فهو القيوم لأن قوامه بذاته وقوام كل شيء به ، وليس ذلك إلا للّه سبحانه وتعالى ومدخل العبد في هذا الوصف بقدر استغنائه عما سواه تعالى اه .
وقال الشيخ الأكبر قدس سره : إعلم أن طائفة من أرباب الطريقة منعت من التخلق بالقيومية وقالت : أنها من خصائص الحق ، وعند أهل الكشف هذه الصفة أحق بالتخلق والاتصاف لشمول سريانها وقيام الحقائق الكونية وظهور الأسماء الإلهية بها ، ولما كانت القيومية من صفات الحي لذاته ونعوته استصحب القيوم الحي حيث كان ، وقد ثبتت الحياة لكل شيء من سريان اسم الحي ، فكما أن كل شيء حي فكذلك كل شيء قائم بسريان القيومية ، ولولا هذا السريان ما قام أعيان الممكنات لأمر الحق بقوله :
وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ
[ البقرة : 238 ] فسرت أحكام القيومية وآثارها في الحقائق المعنوية ، ومراتب الشؤون الغيبية ، وبسائط الأرواح النورية ، وتجليات الأسماء الإلهية أولا ، وفي النفوس والأنفاس الإنسانية الكمالية الجمعية الإحاطية ثانيا ، وفي حقائق الحروف الرقمية واللفظية والذهنية الدالة على الحقائق المعنوية ثالثا ، فلو لا سريانها في حقائق العلوية المعنوية ما خرجت الأعيان الوجودية من مكامن الثبوت ، ولولا آثارها في الأنفاس ما ظهرت صور الحروف البسيطة ، ولولا حكم التأليف للحروف المشيرة الدالة ما كان للكلمات الوجودية ظهور اه .
وقال الإمام أبو منصور البغدادي : إن أخذنا القيوم من معنى القيام على النفس بأرزاقها وآجالها والجزاء على اكتسابها كان من أوصافه المشتقة من أفعاله ، ولم يكن من صفاته الأزلية ، وإن أخذناه من معنى الدائم كان من الأزلية الذاتية لأنه يكون بمعنى الباقي وبقاؤه عندنا صفة أزلية ، وفي صحة هذا الاسم للّه تعالى فوائد منها : دوام بقائه ودوام مقدوراته وقدرته عليها وإثبات قيامه على النفوس بما كسبت وإثبات جزائه لها على اكتسابها ، وفي كل منها رد على المخالفين على ما سيأتي وإطلاق المتكلمين فيه أنه القائم بنفسه ، فإنهم يريدون به استغناءه عن محل يحله أو يقله وقال بعض أصحابنا : لا قائم بنفسه في الحقيقة إلا اللّه سبحانه وتعالى فأما الجوهر فإنه