إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 339
الأصل الثاني : سؤال منكر ونكير ، وقد وردت به الأخبار فيجب التصديق به ، لأنه ممكن إذ ليس يستدعي إلا إعادة الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به فهم الخطاب ، وذلك ممكن في نفسه ولا يدفع ذلك ما يشاهد من سكون أجزاء الميت وعدم حصل أفاد تنوير جملة الإنسان ، وظلمة الجهل إذا حصلت أفادت ظلمة جهل الإنسان ، والنور مناسب لنور الجنة ، وظلمة الجهل مناسبة لظلمة النار ، فاعلم ذلك . وإما أن تكون تلك الإعادة وحصول ذلك التركيب الذي به تكون هذه الكمالات هل هو بعد إعدام أو بعد تفريق ، فالكل ممكن ولا يبعد أن يكون الواقع مشتملا على كل من ذلك وبيان ذلك يطول ، واللّه الهادي . [ الأصل الثاني : سؤال منكر ونكير ] ( الأصل الثاني : سؤال منكر ونكير ) وهما كما تقدم شخصان أسودان أزرقان مهيبان هائلان شعورهما إلى أقدامهما كلامهما كالرعد القاصف وأعينهما كالبرق الخاطف بأيديهما مقامع من حديد . قال الإمام أبو منصور البغدادي : إنما سمي الملك منكرا لأن الكافر ينكره إذا رآه ، وسمي الآخر نكيرا لأنه هو الذي ينكر على الكافر فعله ، وقد أنكرهما الكعبي من المعتزلة وهو مردود عليه . كيف ( وقد ورد به ) أي بالسؤال وفي بعض النسخ : بهما أي بالمنكر والنكير ( الأخبار ) الصحيحة ، ( فيجب التصديق به ) . وهل هذا السؤال عام لكل مؤمن وغيره ، أو مختص بمن يغلب عليه منكر من عمله أو نكير من قلبه ؟ والأول عليه جمهور العلماء ، والثاني قول بعض علماء المغرب ، وعليه يعتمد سيدي أبو الحسن الحراني . أما الأخبار فأخرجه الترمذي وصححه ، وابن حبان من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه : « إذا قبر الميت ، أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير » الحديث . وفي الصحيحين من حديث أنس رضي اللّه عنه « أن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وأنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه » الحديث . وفي رواية البيهقي « أتاه منكر ونكير » وغيرهما من الأخبار التي صحت أخرجها أصحاب السنن ، والمسانيد ما بين مطولة ومختصرة من رواية غير واحد من الصحابة ، ( لأنه ممكن ) أي هو من مجوزات العقول ، واللّه تعالى مقتدر على إحياء الميت وأمر الملك بسؤاله عن ربه ورسوله ، وكل ما جوزه العقل وشهد به السمع لزم الحكم بقبوله . وذهب الجهمية والخوارج أن إحياء الأموات لا يكون إلا في القيامة ، وهؤلاء منكرون عذاب القبر وسؤال منكر ونكير ، وإلى هذا القول ذهب ضرار بن عمرو ، وبشر المريسي ، والكعبي ، وعامة المعتزلة والنجارية . وقال ضرار : المنكر هو العمل السيء ، ونكير هو النكير من اللّه تعالى على صاحب العقل المنكر وقالوا : إن ذلك يقتضي إعادة الحياة إلى البدن لفهم الخطاب ، ورد الجواب وإدراك اللذة والألم ، وذلك منتف بالمشاهدة . وقد شرع المصنف في الرد عليهم بقوله : ( إذ ليس يستدعي ذلك إلا إعادة الحياة إلى جزء من الأجزاء الذي به فهم الخطاب ) وردّ الجواب ، والإنسان قبل موته لم يكن يفهم بجميع عمومنا بل الخبرة من باطن قلبه ، ( وذلك ) أي احياء جزء يفهم الخطاب ويجيب ( ممكن