أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
[ يس : 78 - 79 ] فاستدل بالابتداء على الإعادة . وقال عز وجل :
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
[ لقمان : 28 ] ، والإعادة ابتداء ثان فهو ممكن كالابتداء الأول .
شرح
إمكان تأليف ما تفرق فظاهر كما مر ، وأما إمكان إعادة ما انعدم فلأن الإعادة إحداث كالإبداع الأول ، وغايته طرئان العدم على المبدع أولا لا تغييره كأنه لم يحدث ، وقد تعلقت القدرة بإيجاده من عدمه الطارىء ومعنى الإعادة الموجود ثانيا هو الموجود الأول بل هو بعدها عينه لا مثله لأن وجود عينه أولا إنما كان على وفق تعلق العلم بوجوده ، والغرض ان الموجودات بعد طرئان العدم عليها ثابتة في العلم متعلقا في الأزل بإيجادها لوقت وجودها اه .
والدليل على جواز الإعادة ما أشار إليه نصوص الكتاب وفحوى الخطاب من نسبة الإعادة بالنشأة الأولى . إذ ما جاز على الشيء جاز على مثله . ( قال اللّه تعالى )وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ( قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ ) وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ[ يس : 78 ، 79 ] ( فاستدل بالابتداء على الإعادة ) اعلم أن الإعادة لا تستدعي إلا أمرين : أحدهما إمكان المعاد في نفسه وإمكان الممكنات لنفسها ، أو لازم نفسها ولازم النفس لا يفارق وإلا لزم التسلسل والثاني عموم العلم والقدرة والإرادة ، وقد ثبت عمومها للّه تعالى . وقد نبه اللّه تعالى على هذه الدلالة بالآية المذكورة فهي مع إيجازها قد دلت على صحة الإعادة وعلى الجواب عن شبه المنكرين أما وجه الدلالة فقوله ( ونسي خلقه ) وقوله ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) ومن شبههم أيضا انها إذا صارت ترابا فقد تغير طبعها عن طبع الحياة إلى الضد فقطع هذا الاستبعاد بقوله :الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً[ يس : 80 ] ومن شبههم قول الفلاسفة إن المعاد الجسماني باطل لامتناع عدم السماوات والأرض ورد ذلك بقوله :أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ[ يس : 81 ] ( وقال عز وجل :ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ[ لقمان : 28 ] والإعادة ابتداء ثان ) أي إيجاد من عدم لم يسبقه وجود ، ( فهو ممكن كابتداء الأول ) وليس ممتنعا لذاته ولا لشيء من لوازم ذاته وإلا لم يقع ابتداء وكذلك الوجود الثاني وإذا لم يمتنع لذلك ولا شبهة في انتفاء وجوبه فيكون ممكنا وهو المطلوب وقد تقدم . وقد شهدت قواطع بالحشر والنشر والإنبعاث للحساب والعرض والعقاب والثواب ، وذلك مذكور في الكتاب العزيز على وجه لا يقبل التأويل في نحو ستمائة موضع .
تنبيه :
قال شارح الحاجبية : اعلم أن المراد بالإعادة البدنية إنما هو الأجزاء الأصلية التي هي حاصلة وباقية من أول العمر إلى آخره لا الأجزاء الزائدة التي تحصل من الغذاء فينمو بها البدن زيادة أو تذهب من المرض فيذبل البدن نقصانا وإلى تلك الأجزاء الأصلية الإشارة بقوله عليه السّلام :
« كل ابن آدم يفنى إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب » . وبهذا يندفع ما قيل لو أكل إنسان إنسانا فإما أن يعادا معا أولا والكل باطل إما لإحالته أو مخالفته إجماعكم من أن جميع بني آدم