. . . . . . . . . .
شرح
يعادون ، فيقال : المعاد من الآكل والمأكول هو أجزاؤه الأصلية ، وأما ما زاد على ذلك هو أصل في غيره فيعاد إليه فيعود له إذ كل محفوظ عليه أصله فيخرجه ويرده إليه :الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ[ النمل : 25 ] لا يقال الأجزاء الأصلية لا يفي مقدارها بمقدار ما يكون عليه الإنسان من المقدار عند الموت مع أن المعلوم قطعا بالإجماع هو أنه لا بد أن تكون الإعادة على الهيئة التي فارق عليها الإنسان الدنيا لأنا نقول : الأجزاء هي المعادة ، لكن القادر المختار كما أنه بقدرته مد مقدار الإنسان بزيادة تلك الأجزاء الغذائية ، فهو تعالى قادر على أن يمد مقداره يوم القيامة بأجزاء أخر اختراعية حتى يحصل الهيئة .
فإن قيل : الشيء مع الشيء شيء غيره مع شيء آخر ، وعلى ما ذكر لا يكون البدن المعاد هو بعينه الكائن يوم الفراق ، بل هو مثله لا عينه مع أن الإجماع على إعادة العين . قلنا : هو مثله من حيث المقدار من حيث المقدار عينه باعتبار تلك الأجزاء الأصلية وهو المراد بالعينية إذ لو لم يرد بالعينية ذلك لم يكن المعذب والمنعم هو عين الإنسان المفارق ، بل مثله لما ثبت أن الكافر يكون ضرسه في النار كجبل أحد ، وأن المؤمن يدخل في الجنة على طول أبيه آدم عليه السّلام وهو صحيح . وبهذا التحقيق صح ما يوجد من إطلاق بعض أهل السنة كحجة الإسلام ، والعز ابن عبد السّلام من أن المعاد مثل البدن مع اتفاق أهل السنة على أن المعاد هو بدن الإنسان بعينه ، وأن المراد بذلك البدن عينا هو البدن المركب من الأجزاء الأصلية الباقية من أول تعلق الروح إلى انفصالها في الدنيا ، والمراد بالمثل هو البدن المركب من تلك الأجزاء الأصلية مع الأجزاء المزادة عليه الإختراعية فلا تعارض اه .
قلت : هذه المسألة اختلف فيها بين أهل السنة . قيل أن الحشر جسماني فقط ، وهذا بناء على القول بأن الروح جسم لطيف سار في البدن كماء الورد في الورد ، فالمعاد كل من الروح والبدن جسم ، فلا يعاد إلا الجسم وعليه أكثر المتكلمين ودليلهم قوله تعالى :فَادْخُلِي فِي عِبادِي[ الفجر : 29 ] والتجرد ينافيه . وعند مسلم من رواية مسروق عن ابن مسعود رفعه « أرواح الشهداء في أجواف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل » . وقيل : روحاني جسماني بناء على القول بأن الروح جوهر مجرد ليس بجسم ولا قوة حالة في الجسم ، بل يتعلق به تعلق التدبير والتصرف لا تفنى بفناء البدن ترجع إلى البدن لتعلقها به ، وإلى هذا القول مال أبو منصور الماتريدي ، وحجة الإسلام ، والراغب ، وأبو زيد الدبوسي ، والحلمي وكثير من الصوفية والشيعة ، ولهم أيضا ظواهر تمسكوا بها ، والمسألة ظنية لا قاطع فيها .
وقال شارح المقاصد : قد بالغ الإمام الغزالي في تحقيق المعاد الروحاني ، وبيان أنواع الثواب والعقاب بالنسبة إلى الأرواح حتى سبق إلى كثير من الأوهام ، ووقع في ألسنة العوام أنه ينكر حشر الأجساد افتراء عليه . كيف وقد صرح به في مواضع من الإحياء وغيره ، وذهب إلى أن