. . . . . . . . . .
شرح
يتوصل إليها بأسباب من الخواص والسحر وغير ذلك . قلنا : جميع ذلك لا يسلم مدعيه عن المعارضة بأمثاله ثم من سنة اللّه تعالى في دفع هذا الاحتمال أنه لم يرسل رسولا بآية إلا من جنس ما هو الغالب على أهل عصره ليكون عجزهم عن مثله حجة عليهم ، ألا ترى أنه لما كان الغالب في زمان موسى عليه السّلام تعلم السحر والتخييل جعل اللّه تعالى الحية التي تتلقف ما صنعوا ، واعترف أهل الصناعة وهم ألوف أن ذلك لا يتوصل إليه بالسحر فآمنوا باللّه تعالى وخروا له ساجدين ، وعجز أهل الصناعة واعترافهم بذلك أدل دليل على صحة الآية وصدق الآتي بها ، وكذلك لما غلب في زمان عيسى عليه السّلام تعلم الطب كان معجزاته إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، مع اعتراف أهل صناعة الطب وهم الجمع الكثير بعجزهم عن ذلك ، واعترافهم دليل على اختصاصه بذلك ، ولما كان الغالب في زمان الخليل عليه السّلام القول بالطبائع وتأثيرات الكواكب كان من آياتهقُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ[ الأنبياء : 69 ] .
ولما كان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في زمان قوم صناعتهم الفصاحة والنظم والنثر حتى كان أحدهم إذا صنع قصيدة علقها على البيت وقال : لا يأتي أحد بمثلها كانت معجزته من ذلك الجنس فعجز البلغاء والفصحاء وهم العدد الكثير عن المعارضة ، وذلك أدل دليل قاطع على أنه محض فعل اللّه تعالى وليس من المكتسبات .
قولهم في السؤال الثاني لم قلتم إن اللّه تعالى إنما خلق ذلك للتصديق ؟ قلنا : لما قررناه من الوجهين العقلي والعادي .
قولهم في السؤال الثالث من مذهبكم أن اللّه تعالى يضل من يشاء . قلنا : نعم قولهم فجوزوا خلق المعجزة على يد الكاذب ؟ قلنا من يرى المعجزة تدل عقلا فلا يجوز ذلك لما فيه من قلب الدليل شبهة ، والعلم جهلا واللّه يضل من يشاء ، ولكن لا بالدليل لما فيه من قلب الأجناس وقلبها محال .
ومن زعم أن دلالتها عادية جوز ذلك ، ولكنا نعلم عدم وقوعه باستمرار العادات ، كما نعلم أن الجبل في وقتنا لم ينقلب ذهبا إبريزا وإن كان ذلك جائزا في قدرة اللّه تعالى ، وكذلك نجزم بأن كل إنسان نشاهده من أبوين . وإن جاز في قدرة اللّه تعالى أن يكون مخلوقا من غير أبوين كآدم وعيسى عليهما السّلام ، وتجويز ذلك لا يمنعنا من الجزم ، ولو وقع ذلك لا نسلت العلوم من الصدور .
قولهم في السؤال الرابع بم علمتم أن ما أتى به خارق ولعله معتاد في قطر أو عادة متطاولة أو ابتداء عادة ؟ قلنا كل عاقل يعلم أن إحياء الموتى وقلب العصا ثعبانا ، وإخراج ناقة من صخرة صماء ليس بمعتاد . وقولهم : لعله ابتداء عادة . قلنا : التحدي وقع بنفس الخارق للعادة فلا يضر بعد ذلك أنه دام أو لم يدم ، ثم هؤلاء يجب عليهم أن يصدقوا بالآيات التي أتت بها الأنبياء ، وقد مضت ولم يعد مثلها .
قولهم في السؤال الخامس : ادعيتم الضرورة آخرا فهلا ادعيتموها أولا ؟ قلنا : كل دليل لا بد أن ينتهي إلى الضرورة ولا يمكن دعواها أولا ، ثم نحن إنما قلنا أن التخصيص يدل على إرادة تصديقه بالضرورة ، ومن الأدلة ما يدل بالضرورة ، ومنها ما يدل نظرا .