تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
ونظمه ، هذا مع ما فيه من أخبار الأوّلين مع كونه أميا غير ممارس للكتب والإنباء عن
شرح
يعهد في كلامهم كون المقاطع على مثل ويعملون ويفعلون والمطالع على مثل ( يا أيها الناس ) ( يا أيها الرسل ) ( الحاقة ما الحاقة ) ( عم يتساءلون ) وهذا القول ارتضاه القاضي أبو بكر الباقلاني فلم يشترطوا فيه البلاغة ، وقيل : اعجازه بسلامته من الاختلاف والتناقض ، وقيل : باشتماله على دقائق الحكم والمصالح ، والجمهور على أن الإعجاز فيه لكونه في المرتبة العليا من الفصاحة والبلاغة التي هي خارجة عن طوق البشر ، وإنما هي من مقدور خالق القوى والقدر كما تجده النفوس الإنسانية الكاملة من نفوسها . أما فصحاء العرب فبحسب سليقتهم وما فطروا عليه ، وأما غيرهم فبحسب معرفتهم بالبلاغة وإحاطتهم بأساليب الكلام والفصاحة . ( هذا مع ما فيه من أخبار الأولين ) ووبال المشركين في شطر آية كقوله عز وجل :فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا[ العنكبوت : 40 ] فانظر ما تضمن شطر هذه الآية مع لطيف نظمها من الأنباء عن عظم القدرة واستيلاء الربوبية والاستغناء عن الهالكين ولا دافع ولا مانع ، وخروجها باستعلائها عن القلوب من كلام كل مربوب . وقيل : إعجازه بالنظم فقط وهو قول بعض المعتزلة ، وقيل : بالصرف عن معارضته وهو اختيار الشريف المرتضى من الشيعة ، وقرره النظام فقال : كانت العرب تقدر على النطق بمثله قبل مبعثه عليه السّلام ، فلما بعث سلبوا هذه القدرة وقال قوم : إعجازه موافقته لقضايا العقول ، وقال بعض المحدثين : إعجازه أنه قديم غير مخلوق . وقال قوم : إعجازه أنه عبارة عن الكلام القديم ، ووجه ما اختاره المصنف وارتضاه تبعا لشيخه الإمام ، والقاضي هو أنه عليه السّلام لما تحداهم بأن يأتوا بمثله ، ثم تنزل إلى عشر سور ، ثم إلى سورة ، والسورة مشتملة على الأمرين . أعني الجزالة والأسلوب ، وإنما يتحقق الإتيان بمثله عند الإتيان بمشتمل على الوصفين معا ، فإن الشاعر المفلق إذا سرد قصيدة بليغة ودعى إلى المعارضة بمثلها فعورض بخطبة أو نثر مرسل بالغ أقصى الفصاحة لم يكن الآتي بذلك معارضا لها ، ولو أتى الشاعر بمثل وزن شعره عريا عن بلاغته وجزالته لم يكن معارضا له . قال الإمام : هذا ما ارتضاه القاضي واستقر عليه نظره ، وقال في تضاعيف كلامه : ولو جعلت النظم بمفرده مع إفادة المعاني معجزا لم يكن مبعدا . قال الإمام : وهذا غير سديد ، فإنه لا يسلم أن يقدر كلام كذلك . وفي هذا التقدير إبطال لقول من زعم أن أحدهما كاف في الإعجاز ، وأما من صار إلى أن إعجازه بالصرف وأنه كان مقدورا قبل البعث فقيل : إن لو كان كذلك لوجد مثله قبل التحدي ، ولو كان لظهر . وأما من قال : إعجازه بكونه قديما فهو قول بقدم الحروف وهو باطل ، وأما من قال : بأن إعجازه أنه عبارة عن الكلام القديم ، فلا يصح لأنه لا يمتنع أن يعبر عن الكلام القديم بلفظ غير معجز . ثم نبه المصنف على أن من وجوه الإعجاز إنباءه عن أخبار الأولين وتفاصيل أحوالهم ( مع كونه ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( أميا غير ممارس للكتب ) بالتلقن ولم يعان تعلما ، وإنما نشأ بين ظهور العرب فلم
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 328 | مرتضى الزبيدي