تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
ومن آياته الظاهرة التي تحدى بها - مع كافة العرب - القرآن العظيم فإنهم مع تمييزهم بالفصاحة والبلاغة تهدفوا لسبه ونهبه وقتله وإخراجه - كما أخبر اللّه عز وجل عنهم - ولم يقدروا على معارضته بمثل القرآن إذ لم يكن في قدرة البشر الجمع بين جزالة القرآن
شرح
فقول الإمام أبي القاسم السهيلي في الروض : إن بعض هذه الخوارق علامة للنبوة ولا تسمى معجزة بناء على عدم اقترانها بدعوى النبوة ليس بمقبول فإنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما ادعى النبوة انسحب عليه دعوى النبوة من حين ابتدائها إلى أن توفاه اللّه تعالى ، فكأنه في كل ساعة يستأنفها ، فكل ما وقع له من الخوارق كان معجزة لاقترانه بدعوى النبوة حكما ، وكأنه يقول في كل ساعة إني رسول اللّه ، وهذا دليل صدقي واللّه أعلم . ثم شرع المصنف في بيان القسم الأول الذي هو بيان الأمور الثابتة في ذاته ، وهي المعجزة الدائمة العامة الدلالة المختص بها آية ، وإنما أخره لكثرة ما فيه من المباحث فقال : ( ومن آياته الظاهرة التي تحدى بها ) أي جارى بها وعارض ، وأصل التحدي طلب المباراة في الحداء بالإبل ، ثم توسع فيه فأطلق على طلب المعارضة بالمثل في أي أمر كان ( مع كافة العرب ) أي جميعهم من أولاد إسماعيل عليه السّلام ، ومن أولاد سبأ بن يعرب ( القرآن ) هو كلام اللّه المنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم المكتوب في المصاحف المنقول عنه نقلا متواترا وكان الشافعي رضي اللّه عنه لا يهمزه ، ( فإنهم ) أي كافة العرب ( مع تمييزهم بالفصاحة ) أي الملكة التي يقتدر بها على التعبير عن المقصود مع الإبانة والظهور ( والبلاغة ) أي الملكة التي يقتدر بها على تأليف كلام بليغ ، والكلام البليغ هو الذي يجمع أوصافا ثلاثة صوابا في موضع لغته وطبقا للمعنى المقصود به وصدقا في نفسه ( تهدفوا ) أي جعلوا أنفسهم هدفا ( لسبيه ) أي أسره ( ونهبه ) أي غارته ( وقتله ) والفتك به ، ( ولم يقدروا على معارضته ) أي القرآن ( بمثله ) ولو أقصر سورة منه وعجزهم متواتر أي ثبت انصرافهم من المعارضة إلى المقارعة مع توفير مقتضيات المعارضة منهم من حيث قوة الفصاحة والبلاغة حيث بلغوا في ذلك إلى الغاية التي تمكن في الإنسان مع توفر دواعيهم عن رد دعوته وتهالكهم على ذلك ، فلم يجدوا لذلك سبيلا ، وفزعوا إلى بذل مهجهم وإتلاف أموالهم وقتل نفوسهم وسبى ذرياتهم ولو قدروا على المعارضة لعارضوا ، ولما اختاروا ذلك عليها لما فيها من وصول مقصودهم وسلامة مهجهم ، ولو عارضوا لنقل تواترا لما فيه من توفر الدواعي ونفي الموانع ولم يكن ذلك قطعا . ( إذ لم يكن من قدره البشر الجمع بين جزالة القرآن ونظمه ) أشار بذلك إلى القول المرضي عنده في وجه الإعجاز تبعا لشيخه إمام الحرمين أن القرآن معجز لاجتماع الجزالة فيه مع الأسلوب في النظم المخالف لأساليب كلام العرب ، والجزالة عبارة عن دلالة اللفظ على معناه بشرط قلة حروفه وتناسب مخارجها ، والنظم عبارة عن ترتيب الأقوال بعضها على بعض ، ثم الحسن فيه بتقدير تناسب الكلمات وتقاربها في الدلالة على المعاني ، والبلاغة عبارة عن اجتماع الفصاحة مع الجزالة وغرابة الأسلوب ، فالجزالة تقابلها الركاكة فليس في نظمه لفظ ركيك وغرابه أسلوبه هو أنه يخالف المعهود من أساليب كلام العرب ، إذ لم
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 327 | مرتضى الزبيدي