كانشقاق القمر ، وتسبيح الحصى ، وانطاق العجماء ، وما تفجر من بين أصابعه من الماء .
شرح
موسى عليه السّلام ، أو وجوده عند توجهه لوقوعه عازما عليه وطالبا إياه ، كانقلاب العصا حية فخرج ما إذا اتخذ الكاذب معجزة من يعاضده من الأنبياء لنفسه ، وكذا يخرج ما إذا تقدم الخارق من المدعي ، ثم يدعي ويقول : معجزتي ما ظهر في الزمن الماضي فإنه وان كان خارقا إلا أنه لم يكن على يد مدعي النبوّة في ذلك الزمن إذ الفرض أنه لم يدع نبوّة . وإذا علمت ذلك فاعرف انه صلّى اللّه عليه وسلّم ادعى النبوّة مقرونة بالمعجزة ، فهو رسول اللّه قطعا أما الصغرى وهو أنه ادعى الرسالة ، فبالضرورة حسا للمعاصر وتواترا لغيره ، وأما ان تلك الدعوى كانت مقرونة بالمعجزة فبالمشاهدة للمعاصر ولغيره بالتواتر لفظا ومعنى لغيره مما نقلته الآحاد .
وبالجملة ؛ فمعجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم على قسمين : باقية دائمة يشاهدها من كان وسيكون وذلك هو القرآن العظيم ، وغير دائمة وهو ما صدر عنه صلّى اللّه عليه وسلّم من الخوارق الفعلية أو الغيوب القولية مما يتعلق بماض أو حال أو مستقبل وهي لا تحصى عدة بالتحقيق .
أما القسم الأوّل الذي هو القرآن وأحد قسمي القسم الثاني الذي هو الغيوب القولية فسيذكرهما المصنف فيما بعد ، وبقي القسم الأوّل من القسم الثاني وهو الأفعال الخارقة للعادة ، فذلك أيضا لا يحصى كثرة . وقد فصلت في دلائل النبوّة لكل من البيهقي وأبي نعيم ، لكن بعضها ارهاصا ظهر قبل دعوى النبوّة ، وبعضها تصديقا ظهر بعدها وهي تنقسم إلى أمور ثابتة في ذاته ، وأمور متعلقة بصفاته ، وأمور خارجة عنها راجعة إلى أفعاله .
فالأوّل : كالنور الذي كان ينتقل في آبائه إلى أن ولد ، وكولادته مختونا مسرورا واضعا إحدى يديه على عينيه والأخرى على سرته ، وكذلك ما كان من خاتم النبوّة بين كتفيه ، وطول قامته عند الطويل ، ووساطته عند الوسط ، ورؤيته من خلف كما كان يرى من قدام ، ورؤيته في الظلمة كما يرى في الضوء ، ورؤيته البعيد كما يرى القريب ، وكون جسمه شفافا فلم يقع له ظل على الأرض ولم يمنع رائي الشمس مع حيلولته .
والثاني : ما يرجع إلى صفاته وذلك ما استجمعه مما هو في الغاية القصوى ، وغاية الكمال في ذلك من الصدق والأمانة والعفاف والشجاعة والعدل والحكمة والفصاحة والسماحة والزهد والتواضع لأهل المسكنة ، والشفقة على الأمة ، والمصابرة على مصاعب الرسالة ، والمواظبة على مكارم الأخلاق ، وبلوغه النهاية في العلوم الإلهية ، وتمهيد قواعد المصالح الدينية والدنيوية ، وما كان عليه من استجابة الدعوة دعا لابن عباس بقوله : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » فكان بحرا ، وإماما للمفسرين ، ودعا على عتبة بقوله : « اللهم سلط عليه كلبا من كلابك » فافترسه الأسد ، وعلى سراقة حين لحقه فساخت قوائم فرسه .
والثالث : ما هو خارج عن ذاته وصفاته وهو ( كانشقاق القمر ) له فلقتين ، ومحل الانشقاق كان بمكة ، وقيل : بمنى . قال الإمام أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى : حدثني الهيثم بن حبيب