. . . . . . . . . .
شرح
وفي التوراة أن من شريعة آدم عليه السّلام جواز نكاح الأخت وقد حرمتم ذلك ، وقد كان في شرع يعقوب عليه السّلام الجمع بين الأختين وقد حرمتم ذلك ، وقد كان العمل في السبت قبل شريعة موسى عليه السّلام مباحا وقد حرمتم ذلك ، ولم يكن الختان واجبا لدى الولادة وقد أوجبتموه ، وأما من ادعى منع ذلك بطريق النقل فهو ما لقنه لهم ابن الراوندي ، ولو كان ذلك النقل حقا لاحتج به اليهود على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد بالغوا في طمس آياته بكل وجه حتى غيّروا صفته في التوراة ، ولو احتجوا به لنقل ، وحيث لم ينقل دل على انتفائه . وأما العيسوية ومن رأى رأيهم من النصارى فإذا سلموا أنه نبي فقد سلموا صدقه ، وقد أخبر بعموم رسالته وانه مبعوث إلى الأحمر والأسود مع قوله تعالى :وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ[ سبأ : 28 ] وقوله :قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً[ الأعراف : 158 ] وقد تحدى بمعجزته جميع الأنس والجن ، ( وأيده ) اللّه سبحانه ( بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة ) . معنى الآية : العلامة على صدقه ، والمعجزة هي الآية مع التحدي بها ، فكل معجزة آية لا العكس ، ثم المعجزة مأخوذة من العجز المقابل للقدرة ، وحقيقة الاعجاز إثبات العجز فاستعير لإظهاره ، ثم أسند مجازا إلى ما هو سبب للعجز ثم جعل اسما له ، فقيل : معجزة والتاء فيه للنقل من الوصفية إلى الإسمية كما في الحقيقة أو للمبالغة كما في العلامة وحقيقة المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي موافق للدعوى سالم من المعارض على يد مدعي النبوّة . قولنا : من يتناول الفعل كانفجار الماء من بين أصابعه وعدمه كعدم احراق النار ، وقيد إمام الحرمين المعجزة بفعل اللّه تعالى وإليه مال المصنف كما سيأتي في سياقه قريبا . وقد أورد عليهما أنها لا تنحصر في الفعل ، بل كما أنها تكون بفعل غير المعتاد قد تكون بالمنع من الفعل المعتاد مع سلامة البنية بعدم خلق الضرورة والداعي إلى الفعل ، ومن اقتصر على الفعل فهو إما لأن العدم المضاف عنده فعل وأثر للقدرة ، وإما لأنه جعل المعجزة كون النار بردا وسلاما على إبراهيم ، أو بقاء جسمه عليه السّلام على ما كان عليه لكن هذه الأجوبة كلها بحسب المادة ، وقولنا خارق للعادة يخرج المعتاد إذ لا دلالة فيه لإتحاد نسبته فلا يدل ، وقولنا مقرون بالتحدي أي المجاراة والمغالبة لغة ، والمراد منه ربط الدعوى بالمعجز عند دعوى النبوّة ، وبهذا القيد تخرج كرامات الأولياء لأنه لا تتحدى بالكلية أو لا يتحدى بها على دعوى النبوّة والرسالة ، وان جاز للولي أن يتحدى على ولايته وهو الصحيح .
وأما خروج الارهاصات فلأنها تكون قبل النبوّة فلم تكن مقرونة بالتحدي إذ الارهاص إحداث خارق في العادة يدل على بعثة نبي قبل بعثته كأنه تأسيس لقاعدة نبوّته . قال السعد : والقوم يعدون أمثال هذه أي كشق الصدر واظلال الغمامة وتسليم الحجر معجزات على سبيل التشبيه والتغليب ، وقولنا مع الموافقة للدعوى معناه أن يكون ما يأتي به موافقا له في دعوى النبوّة بحيث لا يقتضي تكذيبه ، وقولنا : والسلامة من المعارض أي في دعواه بأن يدعى أحد نقيض دعواه كما إذا ادعى أحد انه نبي وقارن دعواه خارق ، ثم ادعى آخر انه نبي وان ذلك المدعي أوّلا ليس بنبي وقارن دعواه خارق ، وقولنا على يد مدعى النبوّة معناه أن يكون الخارق قائما بالنبي كبياض يد