فإن قيل : مهما قدر على رعاية الأصلح للعباد ثم سلط عليهم أسباب العذاب كان ذلك قبيحا لا يليق بالحكمة ؟ قلنا : القبيح ما لا يوافق الغرض حتى إنه قد يكون
شرح
فيه . وقوله تعالى :تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ[ البقرة : 253 ]وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ[ الإسراء : 55 ] . ففي الآيتين دليل على بطلان القول بالأصلح إذ عندهم كل ما يفعله تعالى عليه أن يفعل كذلك في الحكمة ، وكل من فعل ما عليه فعله ، فإنه لا يوصف بالفضل والافضال ، فمقتضى مذهبهم لا يكون من اللّه تعالى تفضيل لبعض الرسل وهو خلاف النص ، وبالسنّة وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ولو أراد اللّه تعالى بالنملة صلاحا ما أنبت لها جناحا » . والحديث صحيح من رواية علي رضي اللّه عنه ، وبالوجود فإن اللّه تعالى فعل بالكافر ما لا صلاح له فيه ، بل له فيه مفسدة حيث أبقاه إلى وقت بلوغه وركب فيه العقل مع علمه بأنه لا يؤمن بل يكفر ، ولا شك أن إماتته في صغره وعدم تمييزه أصلح له . إذ علم أنه يكفر عند بلوغه واعتدال عقله ، وكذا من عاش مدة على الإسلام ثم ارتد بعد ذلك ، فإن بقاءه مع علمه بأنه يرتد ليس بمصلحة له وقد فعل ذلك ، ولو كان تعالى قبض روحه قبل ارتداده بساعة لكان أصلح له ، وكذا ابقاء الكافرين وإيلامهم ليزدادوا إثما . وبالإجماع فإن المسلمين وأهل الأديان كلهم يطلبون المعونة من اللّه تعالى على الطاعات والعصمة عن السيئات وكشف ما بهم من البليات ، وقد نطق النص بذلك . ثم الحال لا يخلو إن كان ما سألوا من المعونة والعصمة آتاهم اللّه تعالى أو لم يؤتهم ، فإن كان آتاهم فسؤالهم سفه وكفران للنعم إذ السؤال لما كان عند العقلاء لما لم يكن موجودا فيسأل كأن الاشتغال بالسؤال إلحاقا لهذه النعمة الموجودة بالمعدوم ، وجل تعالى أن يأمر في كتبه المنزلة على الأنبياء أن يشتغلوا بما هو سفه وكفران للنعمة ، وإن لم يؤتهم فلا يخلو إما أن يجوز له أن لا يؤتيهم أو لا يجوز ، فإن كان لا يجوز له أن لا يؤتيهم ، بل يجب عليه على وجه كان بمنعه ظالما ، وكان السؤال في الحقيقة كأنهم قالوا : اللهم لا تظلمنا بمنع حقنا المستحق عليك ولا تجر علينا ، ومن ظن أن الأنبياء والأولياء اشتغلوا بمثل هذا الدعاء فقد كفر من ساعته ، وإن كان يجوز أن لا يؤتيهم ذلك فقد بطل مذهبهم ، وبالمعقول ففيه تسفيه اللّه تعالى في طلب شكر ما أدى إذ الشكر يكون على الافضال دون قضاء الحق وتناهي قدرة اللّه تعالى حيث لا يقدر على أن يفعل بأحد أصلح مما فعل ، ولم يسبق في مقدوره ولا في خزائن رحمته أنفع لهم مما أعطاهم وإبطال منّة اللّه تعالى على عباده بالهداية حيث فعل ما فعل على طريق قضاء حق واجب عليه ، ولا منة في هذا فيكون اللّه تعالى بقوله :وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ[ البقرة :
105 ] ، وبقوله :بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ[ الحجرات : 17 ] متصلفا إذ لا فضل ولا منّة في قضاء مستحق عليه ، وباللّه التوفيق .
( فإن قيل : مهما قدر ) سبحانه وتعالى ( على رعاية الأصلح للعباد ثم سلط عليهم أسباب العذاب ) ومنعهم الأصلح ( كان قبيحا لا يليق بالحكمة ) تعالى اللّه عن ذلك . ( قلنا :
القبيح ) لغة ( ما لا يوافق الغرض ) وهو الغاية التي يتحرى إدراكها ( حتى أنه قد يكون