. . . . . . . . . .
شرح
وقال المصنف في المقصد الأسنى : الواحد هو الذي لا يتجزأ ولا يتثنى أما الذي لا يتجزأ فكالجوهر الواحد الذي لا ينقسم فيقال : إنه واحد بمعنى أنه لا جزء له ، وكذلك النقطة لا جزء لها ، واللّه تعالى واحد بمعنى أنه يستحيل تقدير الانقسام في ذاته ، وأما الذي لا يتثنى فهو الذي لا نظير له كالشمس مثلا فإنها وإن كانت قابلة للإنقسام بالفعل بتجزئة في ذاتها لأنها من قبيل الأجسام فهي لا نظير لها إلا أنه يمكن أن يكون لها نظير فإن كان في الوجود موجود ينفرد ويتوحد بخصوص وجوده تفردا أو وحدة ( لا شريك له ) أي لا يتصور أن يشاركه غيره فيه أصلا فهو الواحد المطلق أزلا وأبدا ، والعبد إنما يكون واحدا إذا لم يكن له في أبناء جنسه نظير في خصلة من خصال الخير ، وذلك بالإضافة إلى أبناء جنسه ، وبالإضافة إلى الوقت إذ يمكن أن يظهر في وقت آخر مثله ، وبالإضافة إلى بعض الخصال دون الجميع فلا وحدة على الإطلاق إلا للّه عز وجل اه .
وذكر الشيخ أبو منصور البغدادي في الفرق بين الواحد والأحد أقوالا منها قد تقدم ذكرها آنفا ، ومنها ما لم يذكر . فمن ذلك قال بعض المتكلمين : أنه واحد في ذاته أحد في صفاته ، وقال آخرون : أنه واحد بلا كيف أحد بلا حيث ، وقال آخرون : وصفه بأنه الواحد يدل على أوليته وأزليته ، لأن الواحد في العدد أول الأعداد والأحد في ذاته إشارة إلى توحيده في صفاته .
وقال آخرون انه واحد بلا شريك في الصنع لانفراده بالخلق والاختراع ، ولذلك قال اللّه تعالى :أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ[ الرعد : 16 ] أحد بنفي الابتداء والانتهاء والتشبيه عنه لقوله تعالى :قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ[ سورة الإخلاص ] فلما نفي الشرك من الصنع والاختراع وصف نفسه بأنه واحد ، ولما نفي عن نفسه الابتداء والانتهاء ونفي التشبيه وصف نفسه بأنه أحد ( فرد لا مثل له ) يطلق الفرد في أوصافه تعالى ، ويراد به أن يخالف الأشياء كلها في الازدواج المنبه عليه بقوله :وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ[ الذاريات :
49 ] وقيل : هو المستغني عن كل شيء المنبه عليه بقوله :إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ[ العنكبوت : 6 ] وإذا قيل : إنه منفرد بوحدانيته فمعناه أنه مستغن عن كل تركيب وازدواج تنبيها على أنه بخلاف كل موجود ، والمثلية عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني أي معنى كان ، وهو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة ، وسيأتي لذلك مزيد تحقيق .