تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
والبطش الشديد ، الهادي صفوة العبيد إلى المنهج الرشيد والمسلك السديد ، المنعم عليهم بعد شهادة التوحيد بحراسة عقائدهم عن ظلمات التشكيك والترديد ، السالك بهم إلى اتباع رسوله المصطفى واقتفاء آثار صحبه الأكرمين المكرمين بالتأييد والتسديد ،
شرح
والعرش : الجسم المحيط بسائر الأجسام سمي به لارتفاعه . وقيل : هو الفلك الأعلى والكرسي فلك الكواكب ، وورد في الحديث : ما السماوات السبع والأرضون السبع في جنب الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة ، والكرسي عند العرش كذلك ، وقال الراغب : عرش اللّه مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم ، وقال غيره : العرش في الأصل سرير الملك فعبّر به عن ملكوت ربنا لأنه ملك الملوك ، وإليه يشير قول البيضاوي ، وقيل : المراد بالعرش الملك . ( المجيد ) يحتمل أن يكون صفة للعرش ومجده علوه وعظمه أو صفة للّه تعالى . أي : العظيم في ذاته وصفاته ، فإنه واجب الوجود قام بالقدرة والحكمة ، ونقل مكي عن بعض إنكار أن يكون المجيد نعتا للعرش ، لأنه من صفات اللّه وهو ممنوع فإن العرش قد وصف بالكريم في آخر المؤمنين ، ( والبطش الشديد ) معطوف على ما قبله ، والبطش أخذ بعنف وصولة ومعنى شدة بطشه مضاعفة عنفه ، وهكذا فسر قوله تعالى :إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ[ البروج : 12 ] فقال : مضاعف عنفه ، وقال السمين : ويقال هو سرعة الانتقام وعدم التؤدة في العفو ، وقوله : إن بطش ربك لشديد تنبيه على أنه سريع الانتقام كما صرح به في غير موضع ، ولم يكفه أن ذكره بلفظ البطش حتى وصفه بالشدة ، وفي هذه الجمل إشارة إلى أن جميع أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى وأنه تعالى لا يجب عليه شيء لأنها دالّة على أنه يفعل ما يريد . ( الهادي ) أي المرشد فيقال : هداه هداية إذا أرشده ( صفوة العبيد ) أي خلاصتهم اسم من الاصطفاء وهو الاختيار ، والعبيد : جمع العبد ( إلى المنهج ) بفتح الميم وسكون النون بالطريق الواضح وكذلك المنهاج والنهج وقد نهج الطريق من حد منع نهوجا وضح واستبان وأنهج بالألف مثله ( الرشيد ) أي المستقيم المصلح ( والمسلك السديد ) من السداد وهو كل ما يسد به الخلل ، والمراد هنا الاستقامة فهو يرجع إلى معنى الرشيد ، ( المنعم عليهم ) أي على العبيد ( بعد شهادة التوحيد ) . الشهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة ، وقد يعبر بها عن الاقرار والبيان والحكم والاعلام والتوحيد مصدر وحّد إذا أوقع نسبة الواحد إلى موضوعه ( بحراسة ) أي حفظ وصيانة ( عقائدهم ) التي عقدوا عليها القلوب والضمائر ( عن ظلمات ) أي شبهات ( التشكيك والترديد ) أي ايقاع الشك والتردد فيها وتصميم القلب على ادراك تصوري أو تصديقي ، والتصديقي علم إن كان جزما ومطابقا عن موجب ، وجهل ان لم يطابق واعتقاد إن طابق لغير موجب ويسمى تقليدا وظن أن لم يجزم بها وكان راجحا ( السائق لهم ) بمحض عنايته ( إلى اتباع ) طريقة ( رسوله ) وحبيبه ( المصطفى ) المختار صلّى اللّه عليه وسلّم ( واقتفاء ) أي اتباع ( آثار صحبه ) جمع صاحب كركب وراكب ، وهم الذين تشرفوا بمشاهدة وجهه وتلقي الأحكام عنه ( الأكرمين المكرمين ) أي المعظمين المبجلين المفضلين ( بالتأييد ) الإلهي ( والتسديد ) أي