تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
فإن قيل : فكيف ينهي عما يريد ويأمر بما لا يريد ؟ قلنا : الأمر غير الإرادة . ولذلك إذا ضرب السيد عبده فعاتبه السلطان عليه فاعتذر بتمرد عبده عليه فكذبه السلطان - فأراد إظهار حجته بأن يأمر العبد بفعل ويخالفه بين يديه - فقال له : أسرج هذه الدابة بمشهد من السلطان ، فهو يأمره بما لا يريد امتثاله ، ولو لم يكن آمرا لما كان
شرح
من عند اللّه كما دل عليه سياق الآية . وسببها أن كفار قريش كانوا إذا رأوا خصبا قالوا : هذا من عند اللّه ، وإذا رأوا جدبا قالوا هذا بشؤم دعوة محمد ، فرد اللّه عليهم وقال :قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً[ النساء : 78 ] ونظيره قوله في قوم موسى عليه السّلام :وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ[ الأعراف : 131 ] ومعنى قوله :ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِأي فبمحض فضل اللّه :وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَأي بسبب جريمة اقترفتها جزاء . وأما الجواب عن تمسكهم بقوله تعالى :وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ[ الزمر : 7 ] وإِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ[ الأعراف : 28 ] فقد أشار إليه المصنف في صورة سؤال وجواب يفهم منه المقصود قال : ( فإن قيل : كيف ينهى ) اللّه ( عما يريد ويأمر بما لا يريد ) أي : كيف يأمر أحد عبده بشيء ويريد منه خلافه ، فهو صريح بأنه أمر الكفار بالإيمان وأراد الكفر . ( قلنا : الأمر غير الإرادة ) وأن لا تلازم بينهما كما لا تلازم بين الرضا والمحبة وبين الإرادة ، وهم قد بنوا مذهبهم على أن الأمر والنهي يرجعان إلى الإرادة ، والحق مغايرة أحدهما عن الآخر . وان اللّه تعالى قد أمر العصاة والكفار بالإيمان ولم يرد إيمانهم ، ومثار الغلط أن الإرادة تطلق على الرضا والسخط وكل مأمور به فهو رضا اللّه تعالى بمعنى انه يثني على فاعله ويمدحه ويثيبه ويريد به الزلفى والقربى وضده بخلاف ذلك ومعنى كراهيته له أنه لا يثني على فاعله بل يذمه ويريد عقابه ، وهذا معنى قوله تعالى :وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَوليس معناه أن اللّه تعالى لم يقدره عليهم ، ثم هم في هذا السؤال مقابلون بالعلم . فإذا قالوا : كيف أمر اللّه الكافر بالإيمان ويريد منه الكفر ؟ قلنا : كيف أمره بالإيمان ويعلم منه الكفر ؟ ، فإنه لا يذعن أبدا للدهر فيكف يستمر لهم كلامهم مع تسليم العلم ، وقد ضرب المصنف على اثبات هذا المدعي مثلا ليقربه إلى الأذهان فقال : ( ولذلك إذا ضرب السيد عبده ) ضربا مبرحا ( فعاتبه السلطان عليه ) أي على ضربه له وبكته وهدده بالقتل لمجاوزته الحد في ضرب العبد ، ( فاعتذر ) سيد العبد أي أقام لنفسه عذرا ( بتمرد عبده عليه ) أي : إنما ضربته لأنه لم يمتثل أمري ، ( فكذبه السلطان ) ولم يصدقه ( فأراد ) السيد في هذه الحالة ( إظهار حجته بأن يأمر عبده ) المذكور ( بفعل ) شيء ونهاية أمانيه ، ومراده أن ( يخالفه بين يديه ) ولا يمتثل العبد ذلك ليقرر عذره ، ( فقال له : أسرج هذه الدابة ) أي ضع عليها السرج ( بمشهد من السلطان ) أي بمحضر منه ( فهو يأمره بما لا يريد امتثاله ولو لم يكن آمرا لما كان عذره عند السلطان ممهدا ، ولو كان مريدا لامتثاله
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 276 | مرتضى الزبيدي