. . . . . . . . . .
شرح
الأشياء على تقدير واستواء وبإبداعها من غير أصل ولا احتذاء ، فبالمعنى الأوّل قوله تعالى :إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ[ القمر : 49 ] ، وبالمعنى الثاني قوله :خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ[ الزمر : 5 ] ، وإيثاره على الخلق لأظهريته في ذلك وشيوع استعمال الخلق بمعنى المخلوق والانشاء أي التكوين المخصوص بايجاد الشيء وترتيبه وعليه قوله تعالى :هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ[ الملك :
23 ] والابداع أي التكوين المخصوص بايجاد الشيء بغير آلة ولا مادة ولا زمان ولامكان ، وعليه قوله تعالى :بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ[ البقرة : 117 ] أي مبدعهما . والصنع أي التكوين المخصوص بايجاد الشيء على الإجادة والاتقان . وعليه قوله تعالى :صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ[ النمل : 88 ] وغير ذلك من الاحياء والإماتة والترزيق والتصوير والإعادة ونحوها مما ورد في النصوص ، وفيه إشارات .
الأولى : أن صفة الفعل حقيقية ، وليست عبارة عن تعلق القدرة والإرادة ، وإليه أشار بقوله فيما بعد والفعل صفة في الأزل .
الثانية : أن صفات الأفعال من التخليق والإنشاء والابداع وغير ذلك راجعة إلى صفة أزلية قائمة بالذات هي الفعل والتكوين العام بمعنى مبدأ الإفاضة التي هي إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود لا صفات متعددة ، كما ذهب إليه البعض ولا عين الإفاضة كما ظن ، وإليه أشار فيما بعد بقوله : والفعل صفته في الأزل ، فإن عدم كون الاخراج صفة أزلية حقيقية من مسلمات العقول ، ولذا قال الإمام الماتريدي : إذا أطلق الوصف له تعالى بما يوصف به من الفعل والعلم ونحوه يلزم الوصف به في الأزل فيوصف بمعنى قائم بذاته قبل وجود الخلق ، كما في البرهان الساطع . وقال الرستغفني في الارشاد : طريق التكوين وطريق الصفات والأفعال الواقعة بالصفات تتراخى عن الصفات كالقدرة والكلام ، وفي التعديل لصدر الشريعة صفات الأفعال ليست نفس الأفعال ، بل منشؤها ، فالصفات قديمة والأفعال حادثة ، وهو مختار عبد اللّه بن سعيد القطان في الرحمة والكرم والرضا ، فبعض مشايخنا كصاحب التبصرة والتلخيص والارشاد وإن تسامحوا في تعريف التكوين بإخراج المعدوم من العدم إلى الوجود كما هو دأبهم من عدم الالتفات إلى جوانب التعريفات ، فقد نبهوا على المراد في المقام من مبدأ الإخراج المذكور بيان القيام بذاته تعالى كسائر صفاته سيما الكلام .
الثالثة : الرد على المعتزلة النافين لمغايرة التخليق للمخلوق ومتمسكين بأن التخليق لو كان غير المخلوق ، فإن كان قديما لزم قدم العالم وإن كان حادثا افتقر إلى خلق آخر وتسلسل .
الرابعة : الرد على من أرجع الصفات الفعلية إلى الاعتبارية كالأشاعرة الذاهبين إلى أن التكوين وسائر صفات الأفعال ليست صفات حقيقية ، بل هو اعتباري يحصل في العقل من نسبة الفاعل إلى المفعول ، وليس مغايرا للمفعول في الخارج ، فالتكوين بمعنى المكوّن متمسكين بأن مبدأ الاخراج من العدم إلى الوجود ليس غير القدرة المتعلقة بأحد طرفي الفعل والترك المقترنة