. . . . . . . . . .
شرح
إطلاق لفظ المماثلة لثبوت ما ثبت من هذه الأنواع ، مع أن علمنا عرض محدث جائز الوجود ومستحيل البقاء غير شامل على المعلومات أجمع ، وهو ضروري أو استدلالي وعلمه تعالى أزلي واجب الوجود شامل على المعلومات أجمع ليس بعرض ولا مستحيل البقاء ولا ضروري ولا استدلالي ، وكذا حياتنا وقدرتنا وسائر الصفات ، فإذا لا مماثلة بين علمه تعالى وعلم الخلق ، وكذا في سائر الصفات ، ولأن القول بعالم لا علم له وقادر لا قدرة له كالقول بمتحرك لا حركة له وأسود لا سواد له وهو تناقض ظاهر .
فإن قيل : هذه الصفات لو كانت ثابتة لكانت باقية ، ولو كانت باقية فإما أن تكون باقية بلا بقاء أو ببقاء ، فإن كانت باقية ببقاء ففيه قيام الصفة بالصفة ، وقد أنكرتم علينا مسألة بقاء الاعراض وادعيتم استحالته ، وإن كانت باقية بلا بقاء فلم يجوز أن تكون الذات قادرا بلا قدرة عالما بلا علم ؟ قلنا : صفة من هذه الصفات باقية ببقاء هو نفس تلك الصفة فيكون علمه علم الذات بقاء لنفسه فتكون الذات بالعلم عالما والعلم بنفسه باقيا ، وكذلك بقاء اللّه تعالى بقاء له وبقاء لنفسه أيضا فيكون اللّه تعالى به باقيا وهو بنفسه أيضا باق ، ولا يقال أن البقاء إذا جعل بقاء للذات يستحيل أن يكون بقاء لنفسه لأنه يؤدي إلى القول بحصول الباقيين ببقاء واحد وهو محال كحصول أسودين بسواد واحد لأنا نقول بأن حصول باقيين ببقاء واحد إنما يستحيل إذا لم يكن أحد الباقيين بقاء لنفسه ، ثم يقوم بالباقي الآخر كأن كل منهما باقيا ولم يستحل ذلك .
فإن قيل : لو كانت له هذه الصفات لكانت أزلية إذ القول بحدوث الصفات للقديم محال ولكانت أغيارا للذات ، والقول بوجود الأغيار في الأزل مناف للتوحيد ؟ قلنا : الصفات ليست بأغيار للذات لأن أحد الغيرين هما اللذان يمكن وجود أحدهما بدون الآخر . فلم يوجد للمغايرة ضرورة ، وهذا لأن ذات اللّه تعالى لا تتصور بدون علمه ، وكذا علمه لا يتصور بدون ذاته لما أن ذاته أزلي وكذا صفاته والعدم على الأزلي محال ، وهذا كالواحد الذي من العشرة لا يكون عين العشرة ولا غير العشرة لاستحالة بقاء الواحد الذي من العشرة بدون العشرة أو بقائها بدونه إذ هو منها ، فعدمها عدمه ووجودها وجوده ، واعترضوا على حد الغيرين بأن التغاير بين الجواهر والأعراض ثابت ، ولا يتصور وجود أحدهما مع عدم الآخر لاستحالة خلو الجواهر من الأعراض واستحالة وجود الأعراض بدون الجواهر . والجواب : كل جوهر معين لا يستحيل وجوده مع عدم عرض معين ، بل العرض يعدم لاستحالة بقائه ويبقى الجوهر ، وكأن كل جوهر في نفسه غير كل عرض لوجوده الجزء وما قالوا لو كانت للّه صفات لكانت قديمات ، والقول بالقدماء محال لأن القديم هو اللّه تعالى والقول بالقدماء قول بالآلهة لأنا نقول بلى إذا كان قديم من القدماء قائما بذاته موصوفا بصفات الألوهية ، ونحن لا نقول به ، بل نقول أن اللّه تعالى قديم بصفاته والقديم القائم بالذات واحد وله صفات الكمال ، وكل صفة قائمة بذات اللّه تعالى وهي قديمة بمعنى أن ليس لوجودها ابتداء فيكون وصفا قديما واللّه أعلم .