تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
. . . . . . . . . .
شرح
الحشوية بين الشاهد والغائب بغير جامع أداهم ذلك إلى التشبيه حيث قالوا : ما عهدنا موجودا ولا عقلناه إلا في جهة والباري موجود ، فيكون في جهة وحيث قالوا : ما وجدنا متكلما إلا بحرف وصوت ، والباري تعالى متكلم فيكون متكلما بحرف وصوت ، فجمعوا بين الشاهد والغائب بغير جامع فشبهوا ، وكذلك الفلاسفة لما قاسوا ما لم يشاهدوه على ما شاهدوه بغير جامع عطلوا وقالوا : ما رأينا زرعا إلا من بذر ولا بذرا إلا من زرع ، فأداهم ذلك إلى تعطيل الصنع عن الصانع ، وإذا كان لا بد من جامع والجوامع أربعة الجمع بالحقيقة كقولك حقيقة الإنسان الحيوان الناطق وهذا حيوان ناطق فيكون إنسانا . الثاني : الجمع بالعلة كقولك التحرك يستدعي حركة وهذا متحرك فقد قامت به حركة . الثالث : الجمع بالدليل كقولك : وجود الحادث يدل على وجود المحدث والعالم حادث فيدل على وجود المحدث له . الرابع : الجمع بالشرط كقولك : وجود العلم مشروط بالحياة وهذا عالم فيكون حيا . ووجه حصر الجوامع في هذه الأربعة أن كل جامع بين متفق عليه ومختلف فيه لا يخلو إما أن يذكر في جمعه أمرا واحدا أو أكثر ، فإن ذكر في جمعه أمرا واحدا فهو الجمع بالحقيقة ، وإن كان أكثر فلا يخلو إما أن يكون بينهما ارتباط أو لا . فإن لم يكن بينهما ارتباط فلا دلالة لأحدهما على الآخر ، وإن كان بينهما ارتباط فإما أن يكون من الطرفين أو من أحدهما ، فإن كان من الطرفين بحيث يلزم من ثبوت أحدهما ثبوت الآخر ومن نفيه نفيه فهو الجمع بالعلة ، وإن كان من أحدهما ، فإن كان من طرف الثبوت فهو الدليل والمدلول فإنه يلزم من وجود الصنع وجود الصانع ولا يلزم من عدم الصنع عدم الصانع ، فالدليل إذا لا يلزم عكسه وإن كان اللازم من طرق النفي فهو الشرط والمشروط ، فإن انتفاء الحياة يدل على انتفاء العلم ولا يلزم من ثبوت الحياة ثبوت العلم ، فإذا تقرر هذا فقد جمع الأشعرية في مسألة الصفات بالطرق الأربعة فقالوا : في الجمع بالحقيقة لا معنى للعلم إلا من له العلم أو ذو العلم ، والباري تعالى عالم فله علم وطردوا ذلك في سائر الصفات ، وقالوا في الجمع بالعلة العالمية في الشاهد معللة بوجود العلم ، وقد سلمتم ثبوت العالمية للباري ، فيلزم اتصافه بالعلم لما بين العلة والمعلول من التلازم ، ولو صح وجود المعلول بدون علة لجاز وجود العلة بدون معلولها ، وقد أجمعنا على أن ذلك محال ، وقالوا في الجمع بالدليل : ان الاحكام والإتقان في الشاهد يدل على ثبوت العلم للفاعل وقد وجد في أفعال الباري ، فدل على ثبوت العلم للّه تعالى . وقالوا في الجمع بالشرط : كل فاعل بالاختيار فله علم بما يقصد إلى إيقاعه والباري تعالى فاعل بالاختيار فله علم . قالت المعتزلة : شرط الجمع بين الشاهد والغائب مساواة الحكمين ، والعلم الذي تدعونه غائبا يخالف العلم شاهدا فإن العلم في الشاهد حادث ولا يتعلق بمعلومين ، وفي الغائب قديم واحد يتعلق بما لا نهاية له ، وإذا اختلفا في الحقيقة لم يصح قياس أحدهما على الآخر ، وأجاب الأشعرية بأن الجمع بينهما من جهة عامة وهي العلمية والعالمية قالوا : ولو منع ذلك من اعتبار أحدهما بالآخر لمنع الجمع بينهما في الشرط ، وقد أثبتم أن الباري تعالى حي لأنه عالم قياسا على الشاهد . قالوا : إذا عللنا هذه الصفات في الشاهد لجوازها والجائز مفتقر في وجوده إلى مقتض وصفات الباري تعالى