تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
. . . . . . . . . .
شرح
قال الكمال بن الهمام في المسايرة ، وتلميذه ابن أبي شريف في شرحه ، وقد جمعت بين عبارتهما بما حاصله : وهذا الذي ذكره حجة الإسلام ابتداء لتقرير برهان التوحيد لا للزوم الفساد المذكور في الآية ، وليس بيانا للآية ، وإنما بيانها بيان لزوم الفساد على تقدير التعدد ، ولك أن تقول : بل ما ذكره الحجة بيان للآية وتقرير لدلالتها ببرهان التوحيد المعروف ببرهان التمانع بناء على ما في الآية من الإشارة إليه ، وإنما يكون ابتداء التقرير بالنظر إلى عبارة الآية ، فإن معناها لزوم الفساد بتقدير التعدد ، وتحقيق هذا المحل أن الكلام في اثبات التوحيد إما أن يكون مع الملي أو مع غيره ، والملي هنا هو الذي اعتقد حقية ملة نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأما الملي فيلزمه القطع بوقوع فساد هذا النظام على تقدير تعدد الآلهة ، إذ هو قاطع بأن اللّه تعالى أخبر بوقوعه مع التعدد ، وما أخبر بوقوعه فهو واقع لا محالة لاستحالة الخلف في خبره تعالى ، وأما غير الملي فيلزمه ذلك أيضا جبرا أي من جهة الجبر أي القهر له أو علما توجبه العادة ، والعلوم العادية يحصل بها القطع داخلة في مسمى العلم المأخوذ فيه عدم احتمال النقيض ، ومثال العلوم العادية التي يحصل بها القطع كالعلم حال الغيبة عن جبل عهدناه حجرا بأنه حجر الآن لم ينقلب ذهبا مثلا ، ولدخول العلم العادي في مسمى العلم أجيب عن ايراد خروجه عن تعريف العلم بأنه صفة توجب لمحلها تمييزا لا يحتمل متعلقه نقيض ذلك التميز ، فإنه قد أورد على تعريفهم العلم بذلك أنه غير منعكس لأنه يخرج عنه العلوم العادية لاحتمالها النقيض لجواز خرق العادة مع أن العلم العادي داخل في مسمى العلم ومعدود من أقسامه ، وتحرير الجواب أن احتمال النقيض في العلم العادي بمعنى أنه لو فرض العقل خلافه لم يكن ذلك فرض محال لأن تلك الأمور العادية ممكنة في ذواتها ، والممكن لا يستلزم في شيء من طرفيه محالا ، وذلك الاحتمال لهذا المعنى لا يوجب عدم الجزم المطابق للواقع بأن الواقع الآن خلاف ذلك الممكن فرضه ، لأن احتمال المنافي لهذا الجزم هو أن يكون متعلق التمييز محتملا لأن يحكم فيه المميز بنقيضه في الحال كما في الظن أو في المآل . كما في الجهل المركب والتقليد ومنشؤه ضعف ذلك التمييز ، إمّا لعدم الجزم أو لعدم المطابقة أو لعدم استناده إلى موجب ، وهذا الاحتمال هو المراد في التعريف لا الاحتمال بالمعنى الأوّل ، فاثبتوا في العلم العادي ثبوت الجزم والمطابقة للواقع والموجب ، وأعني بالموجب العادة القاضية التي لم يوجد قط خرمها ، وهي أحد أقسام الموجب في قولهم في تعريف العلم أنه حكم الذهن الجازم المطابق للواقع لموجب ، إذ الموجب الذي يستند إليه الجزم إما حس أو عقل أو عادة ، وما ثبت فيه الجزم والمطابقة والموجب هو معنى العلم القطعي بأن الواقع كذا فيحصل الفساد على تقدير تعدد الآلهة ، لأن العادة المستمرة التي لم يعهد قط اختلالها في ملكين مقتدرين في مدينة واحدة عدم الإقامة على موافقة كل الآخر في كل جليل وحقير من الأمور ، بل تأبى نفس كل منهما دوام الموافقة وطلب الانفراد بالمملكة والقهر للآخر ، فكيف بالالهين والحال أن الإله يوصف بأقصى غايات الكبر ؟ فكيف لا تطلب نفسه الانفراد بالملك والعلو على الآخر كما أخبر اللّه سبحانه بقوله :وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ[ المؤمنون : 91 ] ، هذا أمر إذا تؤمل لا يكاد لنفس يخطر