. . . . . . . . . .
شرح
يكون ممنوع غيره كما لا يصح أن يريد خلاف مراد نفسه ، ويجوز أن يريد خلاف مراد غيره ، والتمانع إنما يصح مع الاختلاف في المراد .
ودليل خامس : وهو أنه لا بد للصانع من أن يكون حيا قادرا عالما مريدا مختارا ، ومن نازع في هذه الصفات للصانع بنينا الكلام معه عليها ، فإذا ثبت وصف الصانع بما ذكرناه قلنا : لو كان للعالم صانعان وجب أن يكون كل واحد منهما حيا قادرا عالما مريدا مختارا ، والمختار أن يجوز اختلافهما في الاختيار لأن كل واحد منهما غير مجبر على موافقة الآخر في اختياره ، فإذا صح هذا فلو أراد أحدهما خلاف مراد الآخر في شيء لم يخل من أن يتم مرادهما أو لا يتم مرادهما ، أو يتم مراد أحدهما ولا يتم مراد الآخر ، ومحال تمام مراديهما لتضادهما ، وإن لم يتم مرادهما فهما عاجزان ، وإن تم مراد أحدهما ولم يتم مراد الآخر ، فإن الذي لم يتم مراده عاجز ولا يكون العاجز إلها ولا قديما .
وهذه الدلالة معروفة عند الموحدين بدلالة التمانع ولها شروط منها : تفسير معنى التمانع وهو تفاعل من المنع ، وذلك أن يقصد كل واحد منهما أن يمنع صاحبه . والشرط الثاني : هو العلم بأن التمانع بين القادرين إنما يقع في مخالفة أحدهما صاحبه في المراد بأن يريد ما يكرهه صاحبه فيكون حينئذ من لم يتم مراده منهما ممنوعا عن ايقاع مراده ، وزعم بعض القدرية أن التمانع يقع في الفعلين المقدورين لقادرين بأن يفعل أحدهما مقدوره في محل يمتنع به القادر الآخر عن ايقاع مقدوره فيه ، ويلزمهم على هذا الأصل أن يكون الباري سبحانه ممنوعا من فعل السكون في محل قدرة غيره عندهم فيه حركة وهذا فاسد فما يؤدي إليه مثله . والشرط الثالث : أن الحيين القادرين المتصرفين بإرادتين لا يستحيل منهما أن يريد أحدهما ما يكرهه الآخر ، لأن الذي ينفي إرادة أحدهما ليس هو النافي لإرادة الآخر ، لأن الشيئين لا يتضادان في محلين ، ولولا جواز اختلاف المريدين في المراد لما صح التمانع بينهما . والشرط الرابع : أن التمانع بين القادرين لا يصح إلا بعد أن يكون محل فعلهما واحدا لولا ذلك لصح من أحدهما أن يوقع في محل فعلا ويوقع الآخر خلافه في محل آخر ، لأن المتضادين لا يتضادان في محلين كالسواد والبياض في محلين . والشرط الخامس :
العلم بأن إرادة أحدهما يجب أن تكون بحيث لا يصح وجود إرادة الآخر منه ، إذ لو كان محل إرادتهما واحدا لوجب أن يصيرا معا مريدين بإرادة واحدة ، ولم يختلفا حينئذ في المراد لوجوب كون كل واحد مريدا لما يريده الآخر بإرادته . والشرط السادس : العلم بأن إرادة كل واحد منهما يجب أن تكون غير مراده ، لأنه لو كانت الإرادة من المراد لكان كلما أراد أحدهما شيئا حصل مراده في حال كونه مريدا ولم يصر ممنوعا عن مراده بحال . والشرط السابع : العلم بأن المتمانعين يجب أن يكون إرادة كل واحد منهما قبل مراده لأن إرادته لو حصلت مع مراده لما صح منعه عن مراده ، لأن الحي لا يكون ممنوعا من فعل ما قد وجد ، ولا يقع التمانع بين المتمانعين في المراد ممنوعا عن إتمام مراده عاجزا عنه ، والعاجز لا يجوز أن يكون قديما ، والدليل على استحالة وجود قديم عاجز أن الفاعل القديم القادر قد وجب حصوله بدلالة الحوادث عليه ، فلو