. . . . . . . . . .
شرح
من التصديق ولم يفرق بين أن يكون ذلك إيمان عقد تقليدي أو يقين برهاني ، والجافي الغليظ الضعيف العقل الجامد على التقليد المصر على الباطل لا ينفع معه الحجة والبرهان ، وإنما ينفع معه السيف والسنان ، والشاكون الذين فيهم نوع ذكاء ولا تصل عقولهم إلى فهم البرهان العقلي المفيد للقطع واليقين ينبغي أن يتكلف في معالجتهم بما أمكن من الكلام المقنع المقبول عندهم لا بالدلالة اليقينية البرهانية لقصور عقولهم عن إدراكها ، لأن الاهتداء بنور العقل المجرد عن الأمور العادية لا يخص اللّه تعالى به إلا الآحاد من عباده ، والغالب على الخلق القصور والجهل فهم لقصورهم لا يدركون براهين العقول كما لا تدرك نور الشمس أبصار الخفافيش ، بل تضرهم الأدلة القطعية البرهانية كما تضر رياح الورد بالجعل ، وأما الفطن الذي لا يقنعه الكلام الخطابي فتجب المحاجة معه بالدليل القطعي البرهاني . إذا تمهد هذا فنقول لا يخفى أن التكليف بالتصديق بوجود الصانع وبتوحيده يشمل الكافة من العامة والخاصة ، وأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مأمور بالدعوة للناس أجمعين ، وبالمحاجة مع المشركين الذين عامتهم عن إدراك الأدلة القطعية البرهانية قاصرون ، ولا يجدي معهم إلا الأدلة الخطابية على الأمور العادية والمقبولة التي ألفوها وحسبوا أنها قطعية وأن القرآن العظيم مشتمل على الأدلة العقلية القطعية البرهانية التي لا يعقلها إلا العالمون ، وقليل ما هم بطريق الإشارة على ما بينه الإمام الرازي في عدة آيات القرآن ، وعلى الأدلة الخطابية النافعة مع العامة لوصول عقولهم إلى إدراكها بطريق العبارة تكميلا للحجة على الخاصة والعامة على ما يشير لذلك قوله :وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ[ الأنعام : 59 ] وقد اشتمل عليهما وإشارة قوله تعالى :لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌالآية . أما الدليل الخطابي المدلول عليه بطريق العبارة ؛ فهو لزوم فساد السماوات والأرض لخروجهما عن النظام المحسوس عند تعدد الآلهة ولا يخفى أن لزوم فسادهما إنما يكون على تقدير لزوم الاختلاف ، ومن البين أن الاختلاف ليس بلازم قطعا لإمكان الاتفاق ، فلزوم الفساد لزوم عادي وقد أشار إليه الإمام الرازي حيث قال : أجرى اللّه تعالى الممكن مجرى الواقع بناء على الظاهر ، ولا يخفى على ذوي العقول السليمة أن ما لا يكون في نفس الأمر لازما وقطعيا لا يصير بجعل الجاعل وتسميته إياه برهانا زعما أن تسميته قطعيا وبرهانا صلابة في الدين ونصرة للإسلام والمسلمين . هيهات هيهات ! فإن ذلك مدرجة لطعن الطاعنين ، ونصرة الدين لا تحتاج إلى ادعاء ما ليس بقطعي قطعيا لاشتمال القرآن على الأدلة القطعية التي لا يعقلها إلا العالمون بطريق الإشارة النافعة للخاصة ، وعلى الأدلة الخطابية النافعة للعامة بطريق العبارة . وأما البرهان القطعي المدلول عليه بطريق الإشارة فهو برهان التمانع القطعي بإجماع المتكلمين المستلزم لكون مقدور بين قادرين ولعجزهما أو عجز أحدهما على ما بين في علم الكلام وكلاهما محالان عقلا ، كما بين فيه أيضا لا التمانع الذي تدل عليه الآية بطريق العبارة ، بل التمانع قد يكون برهانيا وقد يكون خطابيا ، ولا ينبغي أن يتوهم أن كل تمانع عند المتكلمين برهان ، وقطعية لزوم الفساد المدلول عليه بالإشارة تنافي خطابية لزوم الفساد المدلول عليه بالعبارة لأن الفساد المدلول عليه بالإشارة هو كون مقدور بين قادرين ، وعجز الإلهين المفروضين أو عجز أحدهما ، والفساد