تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
. . . . . . . . . .
شرح
أحدهما كان الثاني مغلوبا مستكرها ، وإن لم يجز اختلافهما في الإرادة كان محالا إذ وجود أحدهما ووجود صفاته يستحيل أن يمنع الثاني من أن يريد ما يصح إرادته عند تقدير الانفراد والعاجز منحط عن رتبة الإلهية وذلك مضمون الآية والمعنى لتناقضت أحكامهما من تقدير قادرين على الكمال ، وقال شارحه ابن التلمساني ما نصه : الوحدة عبارة عن سلب الكمية والكثرة والباري تعالى واحد في ذاته لا انقسام له وواحد في صفاته لا نظير له ، وواحد في إلهيته وملكه وتدبيره لا شريك له ولا رب سواه ولا خالق غيره ، والغرض من هذا الفصل إقامة الدليل على استحالة موجودين يوصف كل واحد منهما بالإلهية ، والإله هو العام القدرة العام الإرادة العام العلم ، وسائر الصفات الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، فلو فرضنا إلهين بهذا النعت وقدرنا فعلين متقابلين لا يمكن الجمع بينهما ولا الخلو عنهما ، كفرض جسم أراد أحدهما تحريكه والآخر تسكينه أو أراد أحدهما احياءه وأراد الآخر إماتته ، فلا يخلو إما أن ينفذ مرادهما معا أو لا ، أو مراد أحدهما دون الآخر ولا مزيد في العقل على هذه القسمة ، فإن نفذ مرادهما لزم أن يكون الجسم ساكنا متحركا حيا ميتا في حالة واحدة ، وذلك محال لأنه جمع بين الضدين ، وإن لم ينفذ مرادهما لزم الخلو عن المتقابلين ويلزم قصورهما معا ونقصهما لعدم نفوذ إرادتهما ، وإن نفذ مراد أحدهما دون الآخر كان النافذ الإرادة هو الإله الحق ، والثاني عاجز ناقص منحط عن رتبة الإلهية ، ثم قال : وهذه الدلالة هي التي أرشد إليها الكتاب العزيز بقوله :لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا[ الأنبياء : 22 ] اه . وقال النسفي في شرح العمدة : تقرير دلالة التمانع التي عوّل عليها جمهور المتكلمين هو أنه إن فرض إلهان قادران متماثلان في صفات الألوهية يؤدي إلى اجتماع الضدين ، أو عجز القادرين المتماثلين ، أو عجز أحدهما والكل محال . وما يؤدي إلى المحال محال . وهذا لأنا إن فرضنا إلهين قادرين على جميع المقدورات ، فإن أراد أحدهما أن يخلق في شخص حياة والآخر أراد أن يخلق فيه موتا ، فإن حصل مرادهما لزم الجمع بين الضدين ، وإن تعطلت إرادتهما لم يحصل في المحل لا هذا ولا ذاك ثبت عجز كل واحد عنهما لتعطل إرادته وامتناع ما يريد اثباته بمنع صاحبه إياه ، إذ لولا إرادة صاحبه ضد مراده لحصل مراده ونفذت مشيئته ، وإن نفذت إرادة أحدهما دون الآخر كان الذي تعطلت إرادته عاجزا ، والعاجز مستحيل أن يكون إلها لأن العجز من مراتب الحدوث اه . وقال البكي في شرح الحاجبية عمدة الأشاعرة في اثبات الواحدية من جهة العقل الدليل الموسوم بدلالة التمانع وحاصله : أن يقال صانع العالم واحد بمعنى أنه ليس مؤلفا من أجزاء حتى ينقسم إليها فيلزم نفي الكم ، أعني المقدار عنه وإنه واحد بمعنى أنه لا ثاني له ، فيلزم نفي الكم المنفصل عنه . أما الواحد بالمعنى الأوّل فقد تقدم ، وأما الثاني فلأنه لو كان صانع العالم أكثر من واحد لزم أن لا يوجد شيء من العالم ، والتالي باطل بالضرورة ، فالمقدم مثله اما الملازمة فلأنه
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 205 | مرتضى الزبيدي