تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
. . . . . . . . . .
شرح
من تعين علتها أن يطرد في صحة خلق الجواهر لنا ، فإن قيل : فيلزم منكم ذلك في الكسب الذي أثبتموه ، فإنكم وإن نفيتم عن العبد الخالقية لم تنفوا عن الكسب ؟ قلنا : لا نسلم أن تعلق أكسابنا ببعض الأفعال كان بمعنى يوجد بالنسبة إلى حدوث الجواهر ولا يتم النقض ما لم تعينوا مشتركا وهو علة الكسب لنا وتحققوه فيما سلم امتناع تحقق الكسب فيه . قوله في السؤال الثاني عشر : ما ذكرتموه ينتقض ببقية الادراكات كالشم والذوق واللمس فإن دليلكم مطرد فيه ولا يصح تعلقها به تعالى ؟ قلنا : من مقدمات دليلنا أن الأبصار تتعلق بالمختلفات بالجواهر والاعراض بالضرورة . وهذه قضية مدركة بالحس ولا نسلم تعلق بقية الإدراكات بالمختلفات ، فإن كل إدراك منها يتعلق بنوع من الأعراض ، فلم يطرد الدليل ؟ وأجاب بعض الأصحاب بأن هذه لا تنفك عن إتصالات جسمانية فيمتنع تعلقها به تعالى بخلاف الرؤية ، ولقائل أن يقول : على هذا إن صح اثبات الرؤية بدون اشتراط بنية مخصوصة وانبعاث أشعة واتصالها بالمرئي وأن المرئي في غير جهة من الرائي وأن جميع ذلك شروط في العادة لا في العقل فما المانع من تعلق هذه الادراكات بدون الاتصالات وأن تلك الاتصالات شرط في العادة لا في العقل . قوله في السؤال الثالث عشر : لو كان المصحح هو الوجود لم ندرك اختلاف الأشياء . قلنا : إذا شاهدنا وجود شيء أدركنا ذلك منه شيئا لإدراك وجوده ، كما قالت البهشمية أن الرؤية تتعلق بأخص وصف الشيء ويتبعها العلم بوجوده مع حكمهم بأن الحال لا يوصف بأنها معلومة وإن لم تكن معلومة فكيف يقضى بأنها مدركة بالحس ؟ فإن قالوا : ما صرنا إليه أدخل في العقول ، فإن العلم بالأخص يستلزم العلم بالأعم والوجود أعم وما صرتم إليه غير لازم في العقل ، وهو أن إدراك الأعم وهو الوجود يتبعه ادراك الأخص ؟ قلنا : العلم بالأخص إنما يستلزم العلم بالأعم الذاتي . أما الأعم العارض فغير مستلزم له والوجود عندكم عارض على الماهيات فإنكم أثبتموها في العدم عرية عن الوجود ، ثم زعمتم أن الوجود يعرض لها من الفاعل المختار ، فإذا لم يلزم من إدراك ماهية مّا وتميزها على أصولكم إدراك كونها موجودة أما نحن فنعتقد أن وجود الماهية لا يفارقها بل متى ثبتا ثبتا معا ومتى انتفيا انتفيا معا ، وإذا كان كذلك فلا مانع أنه متى أدرك أحدهما أدرك الآخر ، ونحن لا ندعي ذلك لزوما عقليا بل بمجرد العادة . وأقدح هذه الأسئلة منع أصل التعليل والنقض ببقية الإدراكات ، فمن ثم اعتمد بعض الأصحاب في الجواز على السمع ، وأنا أقول أن هذه الطريقة مبنية على مغالطة وهي أنهم بنوا الأمر فيها على أن الرؤية لا بدّ لها من مصحح ، والمصحح هو ما لا يثبت الشيء إلا مع ثبوته كالحياة بالنسبة إلى العلم والعلم بالنسبة إلى الإرادة ، ولا يلزم من وجود مصحح وجود ما هو مصحح له ، فإذا المصحح من قبيل الشروط لا من قبيل العلل . وقد اعتمدوا في تعيين الوجود على الزام العلل من امتناع التعليل بالعدم ووجوب تعليل المشترك بعلة مشتركة ووجوب الإطراد ومنع التركيب والشروط ليست كذلك ، فإن الشيء الواحد يصح أن يكون مشروطا بأشياء ، ويصح أن يكون شرطا في أشياء