الأصل الخامس : العلم بأنه تعالى ليس بجسم مؤلف من جواهر . إذ الجسم عبارة عن المؤلف من الجواهر ، وإذا بطل كونه جوهرا مخصوصا بحيز بطل كونه جسما لأن كل جسم مختص بحيز ومركب من جوهر ، فالجوهر يستحيل خلوه عن الافتراق والاجتماع والحركة والسكون والهيئة والمقدار وهذه سمات الحدوث . ولو جاز أن يعتقد أن صانع
شرح
التحيز ولوازمه من اثبات الجهة والإحاطة ونحوهما ( كان مخطئا من حيث اللفظ لا من حيث المعنى ) لمثل ما سيأتي في اطلاق الجسم ، إذ لم يرد إطلاق لفظ الجوهر عليه تعالى لا لغة ولا شرعا ، وفي اطلاقه ايهام نقص تعالى اللّه أن يتطرق إليه نقص ، فإن الجوهر يطلق على الجزء الذي لا يتجزأ وهو أحقر الأشياء مقدارا .
قال النسفي في شرح العمدة : وقالت النصارى وابن كرام : يجوز إطلاقه على اللّه تعالى لأنه اسم للقائم بالذات ، واللّه تعالى قائم بالذات فيكون جوهرا . قلنا : الجوهر في اللغة عبارة عن الأصل ، وسمي الجزء الذي لا يتجزأ جوهرا لأنه أصل المركبات ، واللّه تعالى ليس بأصل للمركبات فلم يكن جوهرا ، ولأن الجوهر هو المتحيز الذي لا ينقسم ولا يخلو عن الحركة والسكون فيكون حادثا لما مرّ . ولفظ الجوهر لا ينبئ عن القائم بالذات لغة بل ينبئ عن الأصل وتحديد اللفظ بما لا ينبئ عنه لغة ، وإخراج ما ينبئ عنه لغة عن كونه حدا له جهل فاحش اه .
وقال السبكي : اعلم أن الجوهر على اصطلاح المتكلمين هو المتحيز القائم بنفسه ، وعلى اصطلاح غيرهم هو الموجود لا في موضوع ، والموضوع هو الجسم فهو تعالى ليس بجسم ولا جوهر على الاصطلاح الأوّل لضرورة افتقار الجوهر إلى الحيز ولا على الثاني ، وإلا لكان وجوده زائدا على ذاته فيكون ممكنا ضرورة ، لأن المعنى من قولهم : الموجود لا في موضوع أي الذي إذا وجد كان لا في موضوع ، وذلك يقتضي الزيادة قطعا وكل من وجوده زائد فهو ممكن كما علم في محله ، وأيضا فإن ذلك التفسير للجوهر الذي هو أحد أقسام الممكن ضرورة أن الممكن جوهر وغير جوهر ، وأما من فسّر الجوهر بأنه قائم بنفسه كالنصارى فلا نزاع إلا في الاطلاق ، إذ الاطلاق موقوف على التوقيف ولم يرد في ذلك توقيف اه .