تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 625

مساهمون:

ص٦٢٥
من العلم لا يهتم بإدراكه والتفطن له إلا علماء الآخرة ، فأما علماء الدنيا فيشتغلون بما يتيسر به اكتساب المال والجاه ويهملون أمثال هذه العلوم التي بعث اللّه بها الأنبياء كلهم عليهم السلام . وقال الضحاك بن مزاحم : أدركتهم وما يتعلم بعضهم من بعض إلا الورع وهم اليوم ما يتعلمون إلا الكلام . ومنها : أن يكون غير مائل إلى الترفه في المطعم والمشرب والتنعم في الملبس والتجمل في الأثاث والمسكن ، بل يؤثر الاقتصاد في جميع ذلك ويتشبه فيه بالسلف رحمهم اللّه تعالى ، ويميل إلى الاكتفاء بالأقل في جميع ذلك ، وكلما زاد إلى طرف القلة ميله ازداد
شرح
وبينهم ووترت قوسي ووصلت سهمي فلا أدعه يقربني . قال : أحسنت . فما الرابعة ؟ قال : رأيت كل الناس لهم طالب كل واحد منهم واحدا فرأيت ذلك ملك الموت ففزعت له نفسي حتى إذا جاء لا ينبغي أن أمسكه فأمضي معه . قال : أحسنت . فما الخامسة ؟ قال : نظرت في هذا الخلق فأحببت واحدا وأبغضت واحدا فالذي أحببته لم يعطني والذي أبغضته لم يأخذ مني شيئا ، فقلت : من أين أتيت هذا فرأيت أني أتيت هذا من قبل الحسد ، فطرحت الحسد من قلبي فأحببت الناس كلهم ، فكل شيء لم أرضه لنفسي لم أرضه لهم . قال : أحسنت فما السادسة ؟ قال : رأيت الناس كلهم لهم بيت ومأوى ورأيت مأواي القبر فكل شيء قدرت عليه من الخير قدمته لنفسي حتى أعمر قبري ، فإن القبر إذا لم يكن عامرا لم يستطع القيام فيه ، فقال شقيق : عليك بهذه الخصال الستة فإنك لا تحتاج إلى علم غيره انتهى . ( فهذا الفن ) والنوع ( من العلم ) إنما ( يهتم بادراكه ) ويقوم بأود تحصيله ( والتفطن له ) والانصباغ به ( علماء الآخرة ) كحاتم واضرابه ، ( وأما علماء الدنيا فيشتغلون بما يتيسر به اكتساب المال والجاه ) والرئاسة ( ويهملون ) أي يتركون ( أمثال هذه العلوم ) النفيسة ( التي بعث بها الأنبياء والرسل كلهم عليهم ) الصلاة و ( السلام . وقال الضحاك ) بن مزاحم الهلالي أبو القاسم ، ويقال : أبو محمد الخراساني صدوق كثير الإرسال مات بعد المائة ( أدركتهم وما يتعلم بعضهم من بعض إلا الورع ) المراد عصر الصحابة ، فإن الضحاك تابعي ( وهم اليوم يتعلمون الكلام ) ويتركون السؤال عن الورع وهذا القول أورده صاحب القوت . ( ومنها ) : أي ومن علامات علماء الآخرة ( أن يكون غير مائل إلى الترفه في المطعم ) فيعطي للنفس منه مناها ( و ) لا ( التنعم في الملبس ) بأن يلبس رقاق الثياب ورفيعها وما يشار إليها بالبنان ( و ) لا ( التجمل في الأثاث ) فرش البيت ( والمسكن ) بسعته ورفعة بنائه وكذا التجمل في المركب وقد نهي عن كل من ذلك ( بل يؤثر ) يختار ( الاقتصاد ) أي التوسط ( في جميع ذلك ويتشبه فيه بالسلف ) الصالحين ، ( ويميل فيه بالاكتفاء بالأقل في جميع ذلك ) ، فهذه علامة علماء الآخرة .