تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
فأما إذا كان يدعو إلى طلب الدنيا فمثاله مثال النار المحرقة التي تأكل نفسها وغيرها ، فالعلماء ثلاثة . إما مهلك نفسه وغيره وهم المصرحون بطلب الدنيا والمقبلون عليها ، وإما مسعد نفسه وغيره وهم الداعون الخلق إلى اللّه سبحانه ظاهرا وباطنا ، وإما مهلك نفسه مسعد غيره وهو الذي يدعو إلى الآخرة وقد رفض الدنيا في ظاهره وقصده في الباطن قبول الخلق وإقامة الجاه ، فانظر من أي الأقسام أنت ، ومن الذي اشتغلت بالاعتداد له ؟ فلا تظنن أن اللّه تعالى يقبل غير الخالص لوجهه تعالى من العلم والعمل ، وسيأتيك في كتاب الرياء بل في جميع ربع المهلكات ما ينفي عنك الريبة فيه إن شاء اللّه تعالى .
شرح
( فمثاله النار المحرقة التي تأكل كل نفسها وغيرها ، فالعالم ) وفي نسخة : فالعلماء ( ثلاثة . إما مهلك نفسه وغيره وهم المصرحون بطلب الدنيا ) الداعون إليها ( والمقبلون عليها ) سعيا واهتماما في تحصيلها ، ( وإما منقذ ) أي مخلص ( نفسه وغيره وهم الراغبون إلى اللّه تعالى ) بحسن اخلاصهم في أعمالهم ( المعرضون عن الدنيا ) ودواعيها ( ظاهرا وباطنا ) سرا وجهرا ، ( وإما مهلك نفسه ) بميله إليها باطنا ( منقذ غيره ) بتعليمه الأحكام ( وهو الذي يدعو إلى الآخرة ) ويشوّق إليها ( وقد رفض الدنيا ) وتركها ( في ظاهره و ) لم يعمل بعلمه إنما ( قصده في الباطن ) حصول ( قبول ) له من ( الخلق وإقامة ) ركن ( الجاه ) واستمالة وجوه الناس إليه ، وهذا وعيد لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، وكان علماء الصحب على غاية من الخوف والوجل ، ولذلك قالت عائشة لفتى اختلف إليها يسألها وتحدثه ، فجاءها ذات يوم فقالت : أي شيء عملت بعد ما سمعت ؟ قال : به . قالت : فما تستكثر من حجج اللّه علينا وعليك . ( فانظر من أي الأقسام أنت ) وإلى أي طائفة ملت ، ( ومن الذي اشتغلت بالاعتذار له ) وهو عالم سرك ونجواك ، ( ولا تظن أن اللّه يقبل غير الخالص لوجهه ) الكريم ( من العلم والعمل ) إنما لكل امرئ ما نوى . ( وسيأتيك في كتاب الرياء ) خاصة ( بل في جميع ربع المهلكات ) من الأقوال الصريحة ( ما ينفي ) ويزيل ( عنك الريبة ) والشك ( فيه إن شاء اللّه وحده ) جل جلاله وصلى اللّه على سيدنا محمد وسلّم .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 491 | مرتضى الزبيدي